هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك معنا. لتسجيل الرجاء اضغط هنـا
       
 

الرئيسية     ||  المنتديات  ||  الإتصال بنا

 

دراسة الطيران في أمريكا - كندا - بريطانيا - اليونان - الأردن – اليونان [ عددالزوار : 6 ]           ||          برامج التعليم المفتوح - جامعة عين شمس فى تركيا-اسطنبول [ عددالزوار : 4 ]           ||          اكبر حمله تسويقية مع فريق ويلز ويب [ عددالزوار : 5 ]           ||          مناقصات تدريب دوت كوم [ عددالزوار : 4 ]           ||          المؤتمر الدولي للطاقة الشمسية والبناء Icsoeb [ عددالزوار : 2 ]           ||          المؤتمر الدولي في تطبيقات الحاسب والتشخيص المصاحب له Iccaad [ عددالزوار : 6 ]           ||          تدريب دوت كوم [ عددالزوار : 5 ]           ||          ﺃﺨﻁﺎﺀ ﻋﻘﺎﺌﺩﻴﺔ ﻓﻲ ﺍﻷﻤﺜﺎل الشعبية الفلسطينية [ عددالزوار : 160 ]           ||          صليت الظهر مفرداً، [ عددالزوار : 23 ]           ||          موسوعة الصلاة [ عددالزوار : 2168 ]           ||         
 
 

قال صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه الظل وصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل ، فليقم

العودة   ملتقـــ الصراط ـــــى > الملتقى الفكري > فكر اجتماعي



رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 09-12-2011, 19:58
الشامخ الشامخ غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Sep 2009
المشاركات: 3,118
إرسال رسالة عبر مراسل MSN إلى الشامخ إرسال رسالة عبر مراسل Yahoo إلى الشامخ
افتراضي سلسلة أعمال القلوب -ماذان نقصد باعمال القلوب؟

سادساً: ماذا نريد بالأعمال القلبية؟
المراد بالأعمال القلبية:
هي تلك الأعمال التي يكون محلها القلب، وترتبط به، وأعظمها الإيمان بالله عز وجل، الذي يكون في القلب منه التصديق الانقيادي والإقرار، هذا بالإضافة إلى المحبة التي تقع في قلب العبد لربه ومعبوده، والخوف والرجاء، والإنابة والتوكل، والصبر واليقين، والإخبات والإشفاق والخشوع، وما إلى ذلك.
هذه الأعمال القلبية، وبهذا نعرف الفرق بينها وبين أعمال
الجوارح واللسان:
فأعمال اللسان : هي أقواله.
وأعمال الجوارح : كالركوع، والسجود، وغير ذلك مما يفعله الإنسان ببدنه.
سابعاً:
أحكام الأعمال القلبية من حيث الثواب والعقاب:
أعمال القلوب كأعمال الأبدان من هذه الجهة، مع أن أعمال القلوب أشرف- كما سيأتي- لكن أعمال القلوب يتعلق بها الثواب والعقاب كما أنه يتعلق بأعمال الجوارح، فالإنسان يعاقب إذا اغتاب أحداً بلسانه، وهكذا إذا توكل على غير الله .. وهكذا إذا خاف من غير الله وعز وجل، خوفاً لا يصلح إلا لله؛ فإنه يعاقب. وهكذا إذا انعدم الإيمان في قلبه، أو انخرم، وكذلك إذا نقص من إيمانه الواجب، فإنه يعذب .
كما أن الإنسان يعذب على الأعمال القلبية السيئة:
كالعشق المحرم، والمحبة المحرمة، ويعذب على الشرك الذي يقع في قلبه، وسوء الظن بالله عز وجل، أو بإخوانه المؤمنين..وهكذا على سائر الأعمال القلبية المحرمة .

إذًا: العمل القلبي يتعلق به الثواب والعقاب، ومن أراد أن يعرف تفصيل ذلك فعليه بكتاب:'زاد المعاد في هدي خير العباد 5/203' .


ثامناً: أهمية الأعمال القلبية، والمفاضلة بينها وبين أعمال الجوارح [انظر رسالة:الإرجاء للدكتور سفر الحوالي 2 / 541] : وذلك من وجوه متعددة:

أولها: أن اختلال العبادات القلبية لربما هدم العبادات التي تتعلق بالجوارح:
ومن أمثلة ذلك:

الإخلاص:
وهو عمل قلبي، فإذا زال الإخلاص من قلب العبد، فوقع في الشرك، أو إذا وقع في النفاق الأكبر؛ فإن إيمانه يضمحل، وإذا وقع في الرياء؛ فإن إيمانه يختل، وذلك العمل الذي خالطه الرياء يكون باطلاً؛ فالله طيب لا يقبل طيباً كما قَالَ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: [أَنَا أَغْنَى الشُّرَكَاءِ عَنْ الشِّرْكِ مَنْ عَمِلَ عَمَلًا أَشْرَكَ فِيهِ مَعِي غَيْرِي تَرَكْتُهُ وَشِرْكَهُ] رواه مسلم.

[ فالله لا يقبل هذه الأعمال التي يخالطها الإشراك:
سواء كان ذلك في أول العمل من أوله، أو كان في أثنائه واسترسل العبد معه، فإن ذلك يبطل العمل في هاتين الصورتين، فصارت عبادة العبد الظاهرة: كالركوع، والسجود، أو الصلاة، أو الصيام، أو غير ذلك صار ليس له منها إلا التعب، ثم يعاقب عليها؛ لأنه صرفها لغير الله عز وجل .
مثال آخر من الأعمال القلبية:
التواضع:
وهو عمل قلبي يظهر أثره على الجوارح، ما الذي يبطله ويفسده؟ الكبر، والكبر هو تعاظم في القلب يظهر أثره على جوارح الإنسان، فهذا يدل على اختلال عبادة التواضع- وهي عبادة قلبية- لداء الكبر، ومعلوم أن الكبر مانع من دخول الجنة .

ثالث: ا لحسد:
داء قلبي، وعلة من علل القلوب تفسد القلب، وهو يُذْهِبُ ما يجب على المؤمن من صفاء قلبه لإخوانه المسلمين، فهذا الإنسان الحسود يتمنى أن تزول النعمة عنهم، سواء وصلت إليه أم لم تصل إليه، فهذا الحسود لا يحب قطعاً لإخوانه ما يحب لنفسه، وإلا لِمَ يحسدهم؟! فهذا يدل على اختلال في العمل القلبي الواجب من محبة الخير للمسلمين كما يحب لنفسه، وهي عبادة قلبية، فالحسد يذهب الحسنات .
ثانياً: الأعمال القلبية أساس النجاة من النار والفوز بالجنة: كالتوحيد فهو عبادة قلبية محضة، وسلامة الصدر للمسلمين عبادة قلبية، وتعرفون جميعاً حديث أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ قَالَ:كُنَّا جُلُوسًا مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: [ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] فَطَلَعَ رَجُلٌ مِنْ الْأَنْصَارِ تَنْطِفُ لِحْيَتُهُ مِنْ وُضُوئِهِ قَدْ تَعَلَّقَ نَعْلَيْهِ فِي يَدِهِ الشِّمَالِ فَلَمَّا كَانَ الْغَدُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ ذَلِكَ فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ مِثْلَ الْمَرَّةِ الْأُولَى فَلَمَّا كَانَ الْيَوْمُ الثَّالِثُ قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِثْلَ مَقَالَتِهِ أَيْضًا فَطَلَعَ ذَلِكَ الرَّجُلُ عَلَى مِثْلِ حَالِهِ الْأُولَى فَلَمَّا قَامَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَبِعَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ فَقَالَ إِنِّي لَاحَيْتُ أَبِي فَأَقْسَمْتُ أَنْ لَا أَدْخُلَ عَلَيْهِ ثَلَاثًا فَإِنْ رَأَيْتَ أَنْ تُؤْوِيَنِي إِلَيْكَ حَتَّى تَمْضِيَ فَعَلْتَ قَالَ نَعَمْ قَالَ أَنَسٌ وَكَانَ عَبْدُ اللَّهِ يُحَدِّثُ أَنَّهُ بَاتَ مَعَهُ تِلْكَ اللَّيَالِي الثَّلَاثَ فَلَمْ يَرَهُ يَقُومُ مِنْ اللَّيْلِ شَيْئًا غَيْرَ أَنَّهُ إِذَا تَعَارَّ وَتَقَلَّبَ عَلَى فِرَاشِهِ ذَكَرَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ - يعني إذا حصلت له انتباهه ذكر الله، لم ير قيام ليل، ولا صيام نهار، ولا كثرة ذكر، ولا كثرة تلاوة للقرآن- قَالَ عَبْدُ اللَّهِ: فَلَمَّا مَضَتْ الثَّلَاثُ لَيَالٍ وَكِدْتُ أَنْ أَحْتَقِرَ عَمَلَهُ قُلْتُ يَا عَبْدَ اللَّهِ إِنِّي لَمْ يَكُنْ بَيْنِي وَبَيْنَ أَبِي غَضَبٌ وَلَا هَجْرٌ ثَمَّ وَلَكِنْ سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ لَكَ ثَلَاثَ مِرَار: [ يَطْلُعُ عَلَيْكُمْ الْآنَ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ] فَطَلَعْتَ أَنْتَ الثَّلَاثَ مِرَارٍ فَأَرَدْتُ أَنْ آوِيَ إِلَيْكَ لِأَنْظُرَ مَا عَمَلُكَ فَأَقْتَدِيَ بِهِ فَلَمْ أَرَكَ تَعْمَلُ كَثِيرَ عَمَلٍ فَمَا الَّذِي بَلَغَ بِكَ مَا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ- .
ولاحظوا إخلاص السلف رضي الله عنهم، ما قال:
إني صاحب أعمال كثيرة، وصعب أن أحصيها لك الآن، ولا أريد أن أظهر عملي، ليظهر كأن عنده بعض الأعمال العظيمة - قَالَ فَلَمَّا وَلَّيْتُ دَعَانِي فَقَالَ مَا هُوَ إِلَّا مَا رَأَيْتَ غَيْرَ أَنِّي لَا أَجِدُ فِي نَفْسِي لِأَحَدٍ مِنْ الْمُسْلِمِينَ غِشًّا وَلَا أَحْسُدُ أَحَدًا عَلَى خَيْرٍ أَعْطَاهُ اللَّهُ إِيَّاهُ. ليس في قلبه غل على أحد، ولا حسد لأحد من المسلمين، فماذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص- وهو من علماء الصحابة وعبادهم، كان يصوم الدهر حتى نهاه الرسول صلى الله عليه وسلم وما زال به حتى أقره أن يصوم يوماً ويفطر يوماً، وكان يختم القرآن في صلاة الليل في كل ليلة لما سمعه عبد الله بن عمرو بن العاص ماذا قال ؟ قَالَ عَبْدُ اللَّهِ هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ' رواه أحمد .


تأملوا في هذه الجملة وقفوا عندها طويلاً:' هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ ' من قالها ؟ إنسان عالم،عابد، من أعبد الناس، زوجه أبوه امرأة من أشراف قريش يقول فجاء عمرو بن العاص بعد سبعة أيام إلى زوجة عبد الله بن عمرو فسأل عنه فقالت:' نِعْمَ الرَّجُلُ مِنْ رَجُلٍ لَمْ يَطَأْ لَنَا فِرَاشًا وَلَمْ يُفَتِّشْ لَنَا كَنَفًا مُنْذُ أَتَيْنَاهُ'. ما قربها وما لمسها يقوم طول الليل، إذا غربت الشمس بدأ في ورده، وإذا صلى العشاء بدأ القيام إلى الفجر، ثم هو صائم، فلم يعجب ذلك أباه فذهب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وشكاه، فدعاه النبي صلى الله عليه وسلم ... الخ القصة المعروفة. رواها البخاري ومسلم .


شاب يتوقد حيوية، وليس به علة ما هو مريض، ولا ضعيف، ولا عاجز مشغول، ومع ذلك يقول لهذا الرجل:' هَذِهِ الَّتِي بَلَغَتْ بِكَ وَهِيَ الَّتِي لَا نُطِيقُ ' فهذا يدل على أي شيء؟ يدل على عظم هذا المعنى، وأنه يبلغ بالإنسان أعلى الدرجات وإن لم يكن له عمل كثير، ويدل على أنه من أصعب الأشياء، صفاء القلب للمسلمين، ونقاء القلب لإخواننا هذا أمر صعب، قد يكون الإنسان عنده علم كثير، وعبادة كثيرة، ومع ذلك لا يستطيع أن يسيطر على قلبه، لكن بالمجاهدة مع كثرة الدعاء والإلحاح على الله عز وجل وكما علمنا الله:} ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ[34] [سورة فصلت] .
وإسقاط حظوظ النفس، إذا خرجت من بيتك اجعل حظ النفس خلف ظهرك، لا ترى لأحد عليك حقاً فتشره على هذا، وتعتب على هذا، وهذا لم يقدرني، وهذا ما قام حينما سلم عليّ وقام لفلان، وهذا لم يزرني حين مرضت، وهذا لم يعزيني في فلان، وما إلى ذلك .. دع عنك هؤلاء وارتبط بالله عز وجل، فالعبادات القلبية أساس النجاة والفوز بالجنة.


ثالثاً: أنها سبب المراتب العالية في الجنة:
فالحب في الله عبادة قلبية محضة، وقد صح من حديث ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: [ إِنَّ لله جُلَسَاءَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَنْ يَمِينِ الْعَرْشِ وَكِلْتَا يَدَي الله يَمِينٌ عَلَى مَنَابِرَ مِنْ نُورٍ وُجُوهُهُمْ مِنْ نُورٍ لَيْسُوا بِأَنْبِيَاءَ وَلَا شُهَدَاءَ وَلَا صِدِّيقِينَ] قِيلَ يَا رَسُولَ الله مَنْ هُمْ قَالَ: [ هُمْ الْمُتَحَابُّونَ بِجَلَالِ اللَّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى] رواه الطبراني في الكبير12/134 وقال الهيثمي في 'المجمع' 10/277 بعد عزوه له:' ورجاله وثقوا '.


وهكذا أيضاً الأخلاق الحسنة:
الحياء، والصبر، وما إلى ذلك من الأخلاق الطيبة الكاملة، فَعَنْ أَبِي الدَّرْدَاءِ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [ مَا شَيْءٌ أَثْقَلُ فِي مِيزَانِ الْمُؤْمِنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ مِنْ خُلُقٍ حَسَنٍ] رواه أبوداود وأحمد الترمذي وقال:حَسَنٌ صَحِيحٌ . وَعَنْ جَابِرٍ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: [إِنَّ مِنْ أَحَبِّكُمْ إِلَيَّ وَأَقْرَبِكُمْ مِنِّي مَجْلِسًا يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَحَاسِنَكُمْ أَخْلَاقًا...]
رواه الترمذي رقم 2108 وقال: حَسَنٌ غَرِيبٌ. ]



رابعاً: أن العبادات القلبية أشق من عبادات الجوارح:
ويكفي المثال الذي ذكرناه قبل قليل في تصفية القلب وتنقيته من الغل للمسلمين، يقول يونس بن عبيد رحمه الله - وقد كتب إليه أحد إخوانه يسأله عن مسائل فقال يونس- :'أتاني كتابك تسألني أن أكتب إليك بما أنا عليه – أرسل إليه رسالة يقول ما عملك ؟ - فيقول:أخبرك بأني عرضت على نفسي أن تحب للناس ما تحب لها، وتكره للناس ما تكره لها، فإذا هي عن ذلك بعيدة – يقول ما استطعت هذا، هذا من؟ هذا يونس بن عبيد العابد – يقول:ثم عرضت عليها مرة أخرى ترك ذكرهم إلا من خير لا أذكرهم لا أتكلم بهم بسوء – بطريق مباشر أو بطريق غير مباشر بطريقة مغلفة – يقول:فوجدت الصوم في اليوم الحار أيسر عليها من ذلك – فهذا يدل على أي شيء ؟ يدل على أن الإنسان له لذة جامحة في الكلام في أعراض المسلمين، فهذا يدل على أن الإنسان يحتاج إلى كبح قوي لهذه النفس، ولهذه الرغبة الجامعة المسيطرة على النفس، وما يفسد علينا أمرنا في هذا الباب إلا كثرة التأويلات، هذه المرة المقصود كذا والمقصود كذا، ثم نقع فيما حرم الله عز وجل من الغيبة – يقول:هذا أمري يا أخي والسلام' [نزهة الفضلاء1/539]. يقول: أنا في مكابدة، وهذا يدل على أن العبادات القلبية شاقة .
خامساً: أن العبادات القلبية أجمل أثراً من عبادات الجوارح بل هي مُجَمِّلَةٌ لعبادات الجوارح:
فعبادات الجوارح على غاية الأهمية وهذا أمر لا ينازع فيه، لكن عبادات القلب أحلى وأوقع وأجمل أثراً، وهذا ما يجده الإنسان في نفسه-إن كان قلبه موصولاً بالله عز وجل- كان بعض السلف يقول:'مساكين أهل الدنيا خرجوا من الدنيا وما ذاقوا أطيب ما فيها، قالوا:وما أطيب ما فيها؟ قال:محبة الله والأنس به والشوق إلى لقائه والإقبال عليه والإعراض عما سواه' [تهذيب مدارج السالكين ص 245] .
سادساً: أن العبادات القلبية أعظم من عبادات الجوارح أجراً عند الله عز وجل ومثوبة:
وقد كان كثير من السلف يفضلون عبادات القلب على الإكثار من عبادة الجوارح، مع عدم إهمالهم لعبادات الجوارح، كان أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه يقول: 'تفكر ساعة خير من قيام ليلة'[نزهة الفضلاء1/160 ] . و قيل لأم الدرداء رضي الله عنها: أي عبادة أبي الدرداء أكثر ؟ قالت:' التفكر والاعتبار' .[ السابق] أن يكون الإنسان دائم الفكرة، ووصف لسعيد بن مسيب رحمه الله عبادة قوم أنهم يصلون بعد الظهر إلى العصر قال:'إنما العبادة التفكر في أمر الله، والكف عن محارم الله' . وهو لا يقصد أن يزهد في صلاة النافلة، وإنما أراد أن يلفت أنظارهم إلى عبادة يغفلون كثيراً عنها وهي: التفكر .
سابعاً:أن العبادات القلبية محركة ودافعة للجوارح:
إذ كلما عظم الإيمان، والتوحيد، ومحبة الله في القلب؛ كلما كان ذلك دافعاً للجوارح للعبادة .. يقول عتبة الغلام:'من عرف الله؛ أحبه، ومن أحبه؛ أطاعه' . فإذا وجد الإقبال والمحبة في قلب العبد؛ أقبلت جوارح العبد، وهان عليها التعب في الطاعة والعبادة .

ثامناً:أن العبادات القلبية تعظم عبادات الجوارح:
ومعلوم أن الواحد قد يعمل عملاً من الأعمال، ويعمله آخر كما عمله هذا -من حيث الظاهر-:
فهذا تصدق بمائة، وهذا تصدق بمائة، وبينهما كما بين السماء والأرض، فقد يتصدق الإنسان وهو يعد هذه الصدقة مغرماً، ولربما أخرجها كارهاً محرجاً، وآخر: أخرجها رغبة لكنه أخرجها وفي نفسه أنه مدل على ربه، وثالث: أخرجها وفي قلبه الحياء من الله والخوف منه, والإشفاق ألا تقبل، وأن هذا قليل من كثير مما أعطاه الله عز وجل، وأن الله هو الذي وفقه وهداه وسدده إلى هذه الصدقة والعمل الصالح، وأنه بحاجة للمزيد من العبودية ليشكر الله على هذا الإنعام أولاً وآخراً.. فبينهما من الفرق كما بين السماء والأرض !
النية في طلب العلم:
قد يطلب الإنسان العلم لدنيا، وقد يطلبه ليعرف ربه ومعبوده، ويقترب إليه، فتكون له نية صحيحة، فكم بينهما من الفرق، والمجلس واحد، هما في مجلس واحد، في مكان واحد، ومع ذلك كم من الفرق بين هذا وهذا إنما كان ذلك بسبب النية .. يقول ابن المبارك رحمه الله:'رُبَّ عمل صغير تكثره النية، ورُبَّ عمل كثير تصغره النية' .
وهذا كما يقال في الطاعات يقال في المعاصي: قد يعمل رجلان معصية واحدة لكن هذا عملها وهو مستهتر، مستخف، متبجح، يتباهى بعملها، ويجاهر في ذلك، وكأنه ذباب جاء على وجهه فقال به هكذا .. وآخر يعمل معصية وهو خائف من الله، مُسْتَحٍ منه، يستشعر أن الله يراه ويراقبه، لكنه غلب بفترة ضعفت نفسه فيها، ثم لا يلبث أن يراجع.. فشتان بين هذا وهذا .

هذا العمل الذي عمله الأول- مع أن الثاني كان نظيراً له من حيث الظاهر إلا أن الأول- يهوي به عمله في الدركات -إن لم يتداركه الله عز وجل بلطفه ورحمته- والآخر معصيته تصغر وتتضاءل بسبب ما قام في قلبه من الخوف والحياء من الله لا يتبجح، ولا يمكن أن يطلع أحدًا على ذلك، فهو في غاية الوجل، وإذا تذكرها خاف وأشفق منها.. فكم من الفرق بين هذا وهذا !

تاسعاً: أن العبادات القلبية قد تكون في بعض الأحيان معوضة للعبد عن عبادات الجوارح:
ولنأخذ مثالاً على ذلك: الجهاد في سبيل الله عز وجل: يأتي رجال للنبي صلى الله عليه وسلم ليحملهم فيقول:لا أجد ما أحملكم عليه فيتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون، فهؤلاء كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: [ مَا سِرْتُمْ مَسِيرًا وَلَا قَطَعْتُمْ وَادِيًا إِلَّا شَرِكُوكُمْ فِي الْأَجْرِ] رواه مسلم وابن ماجة وأحمد .
لماذا؟ لأن العذر قد حبسهم، فالإنسان قد لا يستطيع أن يعمل بعض الأعمال، ولكنه يبلغ مبلغ العاملين لها بنيته، ولهذا يقول النبي صلى الله عليه وسلم : [ مَنْ مَاتَ وَلَمْ يَغْزُ وَلَمْ يُحَدِّثْ بِهِ نَفْسَهُ مَاتَ عَلَى شُعْبَةٍ مِنْ نِفَاقٍ] رواه مسلم.


فدل على أن الإنسان إن لم يقم بالغزو ببدنه وجوارحه؛ فعليه أن يستحضر النية، ولهذا قال عليه الصلاة والسلام: [ لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ] رواه البخاري ومسلم. فالنية لربما تكون معوضة عن عمل قد يعجز عنه الإنسان، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: [مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ] رواه مسلم .

عاشراً: أن أعمال الجوارح كما ذكر ابن القيم رحمه الله- في مدارج السالكين - لها حد معلوم وأما أعمال القلوب لا حد لها بل تضاعف أضعافاً:
وذلك لأن أعمال الجوارح مهما كثرت وعظمت لها وقت معلوم، الصلاة لها وقت، والصيام له وقت، والحج له وقت وله حد محدود. أما العبادات إذا كانت متعلقة بالقلب-العبادات القلبية- فإنها تكون حالاً ملازمة للعبد في صحوه ونومه، وصحته ومرضه، وصفائه وكدره، وفي جميع أموره .

ولنأخذ مثالاً على ذلك:المحبة:
محبة الله عز وجل هل تفارق العبد؟ هل تفارق قلب العبد وهو قائم، أو قاعد، أو يمشي، أو مسافر، أو مقيم، وهو يأكل، أو يتعبد أو غير ذلك؟ هي ملازمة له. ' التعظيم.
الإخلاص. الشوق إلى لقاء الله عز وجل .

فإذا تمكنت هذه الأمور من قلب العبد، واستحكمت؛ فإنها تكون حالاً ملازمة لهذا العبد، فلا تفارقه. وهذا يدل على شرف الأعمال القلبية على أعمال الجوارح فهي تنقطع وتنقضى .
الحادي عشر: أن العبادات القلبية يستمر بعضها في أحوال تنقطع فيها عبادات الجوارح أو تقل: فمثلاً:
إذا مات الإنسان انقطع عمله الذي يباشره بنفسه هو، ويبقى ما ورثه من الولد الصالح...إلخ . لكن الأعمال التي يعملها هو من صلاة وصيام ...إلخ تنقضي،
ولكن الأمور القلبية: ا لتوحيد:
يسأله الملكان فيجيب، يسألانه عن الإيمان، وفي الجنة، وفي جميع أحوال العبد إذا كان لديه إدراك، فإن قلبه متعلق بمولاه .. هذا المؤمن، فأهل الجنة يحبون الله، ويعظمونه، ويجلونه، ويقدسونه، وهذا عمل قلبي، ولكنهم لا يصلون في الجنة، ولا يصومون في الجنة؛ فليست الجنة محلاً لهذه التكاليف، أما الأمور القلبية فهي تستمر، أو يستمر كثير منها، أما التسبيح فإن أهل الجنة يلهمونه إلهاماً كما يلهمون النفس فلا يرد على هذا .
الثاني عشر:أن العبادات القلبية هي الأصل وأن أعمال الجوارح فرع عنها:
ومعلوم من أصول أهل السنة والجماعة:
أن الإيمان: قول وعمل، قول القلب واللسان، وعمل القلب والجوارح. فالقلب يصدق، واللسان يشهد، والقلب يعمل عمله من توكل، ومحبة، وإخبات.. وما إلى ذلك. واللسان يعمل: ذكراً، وقراءة للقرآن، وقولاً للحق، والجوارح: تسجد وتركع، وتعمل الصالحات التي تقرب إلى الله عز وجل.


فعمل القلب هو الأصل، فلو انتفى التصديق الانقيادي، والإقرار من القلب ماذا يحصل؟ لا يقبل عمل من أعمال الإنسان البتة، يقول ابن القيم رحمه الله:'أعمال القلوب هي الأصل المراد المقصود، وأعمال الجوارح تبعاً، ومكملة، ومتممة' يقول:' وأما النية فبمنزلة الروح، والعمل بمنزلة الجسد للأعضاء الذي إذا فارق الروح كمواتها، وكذلك العمل إذا لم تصحبه النية، فحركة عابث، فمعرفة أحكام القلوب أهم من معرفة أحكام الجوارح؛ إذ هي أصلها وأحكام الجوارح متفرعة عنها'[بدائع الفوائد 3/224].


وقد قال شيخ الإسلام ابن تيمية كلاماً يشبه هذا: [انظر الفتاوي 10/5-6و15، 355، شرح حديث: [ يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي] ص 45]، وكذا ذكره ابن القيم في مواضع من كتبه: [انظر بدائع الفوائد 3/230 الصلاة ص 54، المدارج 1/101] . لأن أصل الدين هو الأمور الباطنة، ويكفي هذا في بيان المعنى.

تاسعاً : لزوم العناية بأعمال القلوب وأعمال الجوارح وأحوال الناس في ذلك :


بيان أهمية أعمال القلوب، وأنها أشرف من أعمال الجوارح لا يعنى أن نهمل أعمال الجوارح، وقد ذكر العلماء ومنهم الشيخ تقي الدين الله وتلميذه ابن القيم وغيرهم: [انظر الفوائد ص 142 – 143، إغاثة اللهفان ص 118، بدائع الفوائد 3/710] أحوال الناس في ذلك فهم على ثلاث أحوال:
منهم: من اشتغل بالأمور القلبية، وإصلاح القلب، ومراقبة الخطرات، وَتَرَكَ الأعمال الظاهرة وأهملها .
وطائفة: اشتغلوا بالأعمال الظاهرة:
كالصيام، والصلاة، وما إلى ذلك، وتركوا إصلاح القلوب؛ فعششت الأحقاد في قلوبهم، والتنافس على الرئاسات، وقست قلوبهم، وصار فيها من تعظيم المخلوقين، أو الخوف منهم ما لا يقدر قدره .
الطائفة الثالثة-وهي التوسط-:
أن يعتني بالأمور القلبية، وأن تُعْطَى حقها، وأن يعتنى بأعمال الجوارح، فهذا سبيل المرسلين عليهم الصلاة والسلام، كانوا يعنون بأمور القلب كما يعنون بأمور الجوارح .
فلذلك نقول: إن التربية الصحيحة هي التي تعنى بقلب الإنسان كما تعنى بجوارحه، هرقل لما سأل أبا سفيان ومن معه هل يرجع أحد منهم سخطة عن دينه بعد دخوله ؟ يسأل عن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا له:لا قال:وهكذا الإيمان إذا خالطت بشاشته القلوب فإن أصحابه لا يرجعون عنه. وقد ذكر شيخ الإسلام من خصائص أهل السنة والجماعة الأخلاقية، قال: وأن الواحد منهم لا يرجع عن دينه، ولو مشط بأمشاط من حديد، وشيخ الإسلام يقول: ولا نعرف قط أن أحداً منهم رجع عن دينه، والحق الذي اعتقده بترغيب، أو بترهيب .
فيجب أن نربي الناس على العناية بقلوبهم، هذا الشاب الذي تراه معك يذهب ويجيء بنشاط في أعمال صالحة هذا طيب لكنه قد يسافر، فينحرف..قد يفقد هذه المجموعة، فينحرف، وقد يُسْتَغْرَبُ لماذا ينحرف؟! لأنه انشغل بعمل ظاهر دون أن تخالط قلبه بشاشة الإيمان، المفروض: أن نغرس فيهم حب الله، والإقبال على الله عز وجل، والخوف منه ومراقبته، وما إلى ذلك.
هذا ما يتعلق بهذه المقدمة بين يدي الحديث عن الأعمال القلبية، وأسأل الله عز وجل أن يكون هذا شاهداً لنا لا شاهداً علينا، وأن ينفعنا وإياكم به.
__________________
توقيعى !

قال صلى الله عليه وسلم
" أهل الشام في رباط الى يوم القيامة "
رد مع اقتباس
 
  #2  
قديم 22-12-2011, 22:21
الصورة الرمزية ابو القعقاع
ابو القعقاع ابو القعقاع غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Dec 2007
المشاركات: 5,595
افتراضي

أحسن الله إليك وجزاك عنا وعن المسلمين كل خير

__________________

اللهم اجعلني خيرا مما يظنون، ولا تؤاخذني بما يقولون، واغفر لي ما لا يعلمون
رد مع اقتباس
 
  #3  
قديم 23-12-2011, 22:28
الشافعي الشافعي غير متواجد حالياً
.:. عضو فعال .:.
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 615
افتراضي

نفعنا الله و إياكم و زودنا بالتقوى و جملنا بالعافية و علمنا ما ينفعنا آميـــــــــن يا رب العالمين

__________________
وليس الذئب يأكل لحم ذئب
ويأكـل بعضنـا بعضـا عيانــا
رد مع اقتباس
 
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

 
 


بحث عن:  

[ sitemap.php ] [ sitemap.html ] [ sitemap.xml ] [ sitemap.txt ]

جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 19:40.
Powered by vBulletin
Copyright ©2006 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
الاتصال بنا - الصراط - الأرشيف - الأعلى