هذه الرسالة تفيد بأنك غير مشترك معنا. لتسجيل الرجاء اضغط هنـا
       
 

الرئيسية     ||  المنتديات  ||  الإتصال بنا

 

دورة الإنتاج والتنسيق والإخراج فى مطابع أوفست [ عددالزوار : 5 ]           ||          تطبيق " احسب الزكاة zakat calculator " المميز والذي يحسب النصاب تلقائيا - تحديث جديد [ عددالزوار : 1 ]           ||          مقطع رائع يوم عرفه [ عددالزوار : 10 ]           ||          مختصر في تعريف الاضحية وأحكامها [ عددالزوار : 1190 ]           ||          هدي النبي صلى الله عليه وسلم في تربية الزوجة [ عددالزوار : 203 ]           ||          حكم خدمة المرأة لزوجها؟ [ عددالزوار : 273 ]           ||          فضل أيام عشر ذي الحجة [ عددالزوار : 1141 ]           ||          العشر الاوائل من ذي الحجة [ عددالزوار : 156 ]           ||          درس تفسير رائع [ عددالزوار : 29 ]           ||          ضرورة الاهتمام بأعمال القلوب [ عددالزوار : 30 ]           ||         
 
 

قال صلى الله عليه وسلم إذا كان أحدكم في الفيء فقلص عنه الظل وصار بعضه في الشمس وبعضه في الظل ، فليقم

العودة   ملتقـــ الصراط ـــــى > الملتقى القرآني > الملتقى التفسيري



رد
 
أدوات الموضوع طرق مشاهدة الموضوع
  #1  
قديم 01-02-2010, 15:10
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255 اسماء الله الحسنى (متجدداً بشرح الأسماء كلها )


مقدمة
الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، وأشهد ألا إله إلا الله وحده لا شريك له؛ الموصوف بصفات الجلال، المنعوت بنعوت الكمال، المنزه عما يضاد كماله من سلب حقائق أسمائه وصفاته، المستلزم لوصفه بالنقائص وشبه المخلوقين، فنفي حقائق أسمائه متضمن للتعطيل والتشبيه، وإثبات حقائقها على وجه الكمال الذي لا يستحقه سواه هو حقيقة التوحيد والتنزيه، فالمعطل جاحد لكمال المعبود، والممثل مشبه له بالعبيد، والموحد مبين لحقائق أسمائه وكمال أوصافه، وذلك قطب رحى التوحيد، فالمعطل يعبد عدما، والممثل يعبد صنما، والموحد يعبد ربا ليس كمثله شيء، له الأسماء الحسنى والصفات العلى، وسع كل شيء رحمة وعلما. وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، وأمينه على وحيه، وخيرته من خلقه، وحجته على عباده؛ فهو رحمته المهداة إلى العالمين، ونعمته التي أتمها على أتباعه من المؤمنين، صلى الله عليه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أما بعد، فقد ثبت في الصحيحين من حديث أبي هريرة، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إن لله تسعة وتسعين اسما، مائة إلا واحدا، من أحصاها دخل الجنة ". وقال الله تعالى : }وَلِلّهِ الأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُواْ الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَآئِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ{(180)
وقال : }قُلِ ادْعُواْ اللَّهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً{(110)
وقال : }اللَّهُ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى{(8)
وقال : }هُوَ اللَّهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{(24)
النبي صلى الله عليه وسلم يقول : " من أحصاها ". فالإحصاء يختلف عن العد؛ لقوله تعالى: }لقد أحصاهم وعدهم عدا{[مريم: 94]
فمن أحصاها فقد استوفاها، أي أنه لا يقتصر على بعضها، لكن يدعو الله بها كلها، ويثني عليه بجميعها، فيستوجب الجنة، أو من أطاق القيام بحق هذه الأسماء والعمل بمقتضاها؛ وهو أن يعقل معانيها، فيلزم نفسه بواجبها. ومن معاني "أحصاها" أنه عرفها على وجه التفصيل؛ لأن العارف بها لا يكون إلا مؤمنا، والمؤمن يدخل الجنة، وقيل : أحصاها يريد بها وجه الله وإعظامه. وقيل : معنى أحصاها : عمل بها، فإذا قال : "الحكيم" مثلا، سلم لله في جميع أوامره وفي جميع أفعاله، لأن جميعها مقتضاها الحكمة، وإذا قال : "القدوس" استحضر كونه منزها عن جميع ما لا يليق بجلاله، وقال بعض العلماء : معنى أحصاها أي : سلك طريق العمل بها، فليوطن العبد نفسه على أن يصح له الاتصاف بها، وما كان يختص بالله تعالى؛ كالجبار والعظيم فيجب على العبد الإقرار بها، والخضوع لها، وعدم التحلي بصفة منها، وما كان فيه معنى الوعد نقف منه عند الطمع والرغبة، وما كان فيه معنى الوعيد نقف منه عند الخشية والرهبة. فهذا معنى أحصاها وحفظها، ويؤيده أن من حفظها عدا، وأحصاها سردا، ولم يعمل بها، يكون كمن حفظ القرآن ولم يعمل بما فيه، وقال بعضهم : ليس المراد بالإحصاء عدها ليس غير؛ لأنه قد يعدها الفاجر، وإنما المراد العمل بها.
وقال أبو العباس: يحتمل الإحصاء معنيين؛ أحدهما : أن المراد تتبعها من الكتاب والسنة حتى يحصل عليها، والثاني : العمل بها، وتمام الإحصاء أن يتوجه إلى الله تعالى من العمل الظاهر والباطن بما يقتضيه كل اسم من الأسماء، فيعبد الله بما يستحقه من الصفات المقدسة التي وجبت لذاته، قيل : من حصلت له جميع مراتب الإحصاء حصل على الغاية، قال أبو الحسن القابسي : أسماء الله وصفاته لا تعلم إلا بالتوقيف من الكتاب أو السنة أو الإجماع، ولا يدخل فيها القياس، ولم يقع في الكتاب ذكر عدد معين، وثبت في السنة أنها تسعة وتسعون. /16 قال تعالى:
}ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها وذروا الذين يلحدون في أسمائه{[الأعراف: 180].
قال أهل التفسير : من الإلحاد في أسمائه تسميته بما لم يرد في الكتاب أو السنة الصحيحة. وأشار ابن القيم رحمه الله إلى أن الإحصاء مراتب، وذكر بأنه لو قررنا أن المعنى هو حفظها، فحفظ القرآن الكريم على سبيل المثال معروف ثواب حفظه، كما قال صلى الله عليه وسلم : "مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السفرة الكرام البررة" [رواه البخاري]،
فلو افترضنا أن منافقا حافظا للقرآن؛ لكنه لا يحل حلاله ولا يحرم حرامه، فهل ينفعه حفظه للقرآن؟ وهل تنفعه تلاوته للقرآن؟ فالقرآن حجة للمرء أو عليه، فكذلك هذه الأسماء، حينما تكون مجرد حفظ فقط لا ينفعه حفظها، لكن يحفظها، ويتأمل معانيها، ويلزم نفسه بمقتضياتها.
لقد أمر الله تبارك وتعالى عباده بأن يدعوه بأسمائه فقال : (ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها)، وفي القرآن الكريم في مواضع عدة أخبر الله سبحانه وتعالى عن جمع من أنبيائه أنهم يدعونه عز وجل بأسمائه وصفاته؛ كقوله تعالى: }وأيوب إذ نادى ربه أني مسني الضر وأنت أرحم الراحمين{[الأنبياء: 83]،
ونرى ذلك في السنة فيما نقل عن النبي صلى الله عليه وسلم من أدعية دعا بها، أو أمرنا أن ندعوا بها، نجد كثيرا من النصوص فيها الدعاء بالأسماء والصفات، ومن ذلك قوله صلى الله عليه وسلم :
"ما أصاب أحدا قط هم ولا حزن فقال : اللهم إني عبدك، وابن عبدك، وابن أمتك، ناصيتي بيدك، ماض في حكمك، عدل في قضاؤك، أسألك بكل اسم هو لك، سميت به نفسك، أو أنزلته في كتابك، أو علمته أحدا من خلقك، أو استأثرت به في علم الغيب عندك، أن تجعل القرآن ربيع قلبي، ونور صدري، وجلاء حزني، وذهاب همي، إلا أذهب الله عز وجل همه، وأبدله مكان حزنه فرحا ". قالوا : يا رسول الله، ينبغي لنا أن نتعلم هذه الكلمات؟ قال: " بلى، ينبغي لمن سمعهن أن يتعلمهن ". [رواه أحمد والبزار وأبو يعلى وابن حبان في صحيحه والحاكم بسند صحيح من حديث ابن مسعود رضي الله عنه].
والدعاء بأسماء الله وصفاته ينبغي أن يتناسب مع ما يدعو به المسلم، كما قال أحد العلماء : يطلب بكل اسم ما يليق به، تقول : يا رحيم ارحمني، يا حكيم احكم لي، يا رزاق ارزقني، يا هادي اهدني.
وقال ابن القيم : يسأل في كل مطلوب باسم يكون مقتضيا لذلك المطلوب، فيكون السائل متوسلا بذلك الاسم، ومن تأمل أدعية الرسل وجدها مطابقة لهذا.
حين تتأمل كتاب الله عز وجل لا تكاد تفقد الحديث عن الأسماء والصفات؛ ففي كل سورة من السور، بل كل صفحة من الصفحات، تجد سردا لأسماء الله عز وجل، أو صفاته، أو حديثاً عن عظمة الله سبحانه وتعالى، وأحياناً تأتي تعقيباً على آية من الآيات في وعد، أو وعيد، أو حكم شرعي، أو عن أنبيائه ورسله، أو حديثاً عن المكذبين الضالين، فلماذا هذا الحديث المستفيض في القرآن الكريم عن الأسماء والصفات؟ أليس هذا موحيا بأهمية الأسماء؟ ثم أليس موحيا بأن هناك واجبا آخر ينبغي أن نسعى إلى تحقيقه؟ وألا نقف عند مجرد الإثبات وحده، وهو أمر مهم، بل الانحراف فيه ضلال. ثم إننا كثيرا ما نجد الآيات تختم بالأسماء والصفات، وهي تختم ختما مناسبا بمعنى ما دلت عليه الآية.
عن عبد الله بن مالك عن الأصمعي قال: سمع الفرزدق رجلا يقرأ : والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالا من الله والله غفور رحيم. فقال: لا ينبغي أن يكون هذا هكذا! قال : فقيل له : إنما هو (عزيز حكيم) قال : هكذا ينبغي أن يكون. /16
وروي أن أعرابيا سمع قارئا يقرأ: (والله حكيم عزيز) والأعرابي لا يحفظ القرآن، فقال الأعرابي: ما أراها أنزلت كما تقول ! فقال القارئ : (والله عزيز حكيم) فقال الأعرابي: نعم، عز، فلما عز حكم. /16
لهذا تجد ختم الآية مناسبا لمعناها : }والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما جزاء بما كسبا نكالاً من الله والله عزيز حكيم{[المائدة: 38]
إذًا ختم الآيات بالأسماء والصفات يعطينا دلالة على الارتباط بين الاسم والصفة وبين ما سبق في الآية، ثم تجد عجبا حينما تتأمل الفرق بين ما قد يبدو لنا أنها أسماء مترادفة، وهي ليست كذلك، فأحيانا يأتي (غفور رحيم) وأحيانا (غفور حليم) وبينهما فرق دقيق، وأحيانا (عليم حكيم) وأحيانا (عليم حليم) وبينهما فرق دقيق، ولو قرأت في كتب التفسير لوجدت عجبا في ذلك.
ومعرفة الأسماء الحسنى والصفات الفضلى سبب لتعظيم الله سبحانه وتعالى؛ ذلك أن المسلم الذي يعلم أن الله حليم كريم، وأنه عز وجل غفور رحيم، وأنه شديد العقاب، بطشه شديد، وكيده متين، ولا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، إذا أراد شيئا إنما يقول له : كن. فيكون، وحينما يعلم أن الله سميع بصير، لا تخفى عليه خافية في الأرض ولا في السماء، حين يعلم هذه الأسماء وتلك الصفات، فإنه يزداد تعظيما له سبحانه وتعالى، ويزداد خضوعا له، فيسعد بقربه في الدنيا والآخرة.
فالمسلم حينما يعلم أسماء الله الحسنى، وصفاته الفضلى، يستهين بالمخلوقين، ويشعر أن المخلوق لا يساوي شيئا، بل انظر إلى أثر هذا الأمر عند هود عليه السلام حينما عاداه قومه، رد عليهم مستهينا بجبروتهم: }قالوا يا هود ما جئتنا ببينة وما نحن بتاركي آلهتنا عن قولك وما نحن لك بمؤمنين{[هود: 53]
فعلم هود أنهم قوم لا يعرفون إلا منطق التحدي، فقال لهم متحديا :
}قال إني أشهد الله واشهدوا أني بريء مما تشركون * من دونه فكيدوني جميعا ثم لا تنظرون * إني توكلت على الله ربي وربكم ما من دابة إلا هو آخذ بناصيتها إن ربي على صراط مستقيم{[هود: 54-56].
إن علمه بأن نواصي العباد بيد الله هو الذي دفعه إلى أن يستهين بجبروتهم وببطشهم. وحين يدرك المسلم أن نواصي العباد بين يدي الله عز وجل يشعر أن المخلوق لا يساوي شيئا، فلا يمكن أن يتوجه إلى المخلوق، ولا يرجو منه نفعا ولا نوالا، ولا يخشى منه منعا ولا بطشا.
حينما يعلم المسلم أن الله تعالى يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار، ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، وحينما يعلم أن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول : هل من سائل فيعطى؟ هل من داع فيستجاب له؟ هل من مستغفر فيغفر له؟ حتى ينفجر الفجر، حينها يقبل على الله عز وجل، ويتوب إليه، يشعر أن الله رحيم رؤوف وأنه سيقبل التوبة.
أرجو الله جل وعلا أن يوفق قراء هذه الموسوعة لمزيد من معرفة الله تعالى، فهي أصل الدين، ولمزيد من الالتزام بأمره ونهيه، فهو أصل العمل الصالح، وهما أصل سعادة الدارين.
انشاء الله سنقوم بوضع كل يوم اسم من اسماء الله الحسنى
__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله

التعديل الأخير تم بواسطة : اسامة بن زيد بتاريخ 02-02-2010 الساعة 13:37.
رد مع اقتباس
 
  #2  
قديم 01-02-2010, 15:13
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255 الرحمن الرحيم





الرحمن الرحيم

الاسم هو الرحمن الرحيم، وقد عدَّ بعض العلماء هذا الاسم: اسم الله الأعظم لقوله تعالى:
}قُلِ ادْعُوا اللّهَ أَوِ ادْعُوا الرَّحْمَـنَ أَيّاً مَّا تَدْعُوا فَلَهُالأَسْمَاء الْحُسْنَى وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَاوَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلاً{[الإسراء: 110].
والحقيقة أن الرحمة التي نراها في الكون ما هي إلا تجسيد لاسم الرحمن، ولا بد أولاً من بعض التفاصيل وبعض التعريفات المتعلقة بهذين الاسمين ليتضح الفرق بين الاسمين منذ البدء، ولعل أحداً يسأل هذا السؤال: ما الفرق الدقيق بين الرحمن وبين الرحيم؟ على كُلٍ سيأتي هذا تفصيله في ثنيات عرض الموضوع.
الرحمن الرحيم كما يقول أحد كبار العلماء: "اسمان مشتقان من الرحمة"، والرحمة تستدعي مرحوماً كما أن العلم يقتضي المعلوم، والرحمة تقتضي المرحوم ولا مرحوم إلا وهو محتاج، الإله لا يكون مرحوماً هو راحم، أما المخلوق فهو مرحوم لأنه ضعيف، ولأنه عاجز، ولأنه فقير لأن قيامه ليس بذاته بل قيامه بغيره، إذاً هو مرحوم، والعبد مرحوم لأنه عبد، والرب راحم لأنه رب، وأيُّ إنسان خرج عن دائرة العبودية ينسىَ أنه في حاجة ماسة إلى رحمة الله عز وجل، وهؤلاء الذين قالوا استغنينا عن رحمة السماء من قبل، جاءتهم سبع سنوات عجاف، ما دمت عبداً فأنت مُفتقر إلى الله عز وجل، ما دمت عبداً فلا بد أنك بحاجة إلى الرحمة، اللهم ارحمنا فإنك بنا رحيم، ولا تعذبنا فإنك علينا قدير.
الشخص الذي تنقضي بسببه حاجة المُحتاج، من غير قصد أو إرادة وعناية بالمُحتاج، لا يُسمى رحيماً، قد تنقضي حاجتك عن طريق شخص فهذا الشخص ما أراد أن يرحمك، ولا يريد أن يرحمك ولن يريد أن يرحمك، لكنه بشكل أو بآخر جاءت الرحمة عن طريقه دون أن يدري، وهذه الجهة، ولو أنَّ الرحمة جاءتك عن طريقها، لا تُسمى رحيماً لأن من لوازم الرحيم أنه يريد أن يرحم، لذلك قالوا: "رب ضارّة نافعة".
أحياناً شخص يسوق الله لك الخير على يديه وهو لا يريد، بل هو يريد أن يوقع بك الأذى لكن الله سبحانه وتعالى يجعل هذه الإرادة الخبيثة في صالحك، إذاً الشيء الذي تنقضي بسببه حاجة المُحتاج من غير قصد ولا إرادة ولا عناية بالمُحتاج هذا الشيء لا يُسمى رحيماً، من عناصر الرحمة أن فاعلها يُريد الرحمة، هذا ينقلنا إلى موضوع دقيق هو أنك أحياناً لِسبب ما لا تريد أن ترحم، فلست رحيماً، أجل، لست رحيمـاً إلا إذا أردت وفعلت.
إذاً: والذي يدعي أنه يريد قضاء حاجة المُحتاج ولا يقضيها إن كان قادراً على قضائها لا يسمى رحيماً، لأنه لم يقضِها، ولو أراد إذاً وتمّت الإرادة لوفّى بها، وإن كان عاجزاً فقد يُسمى رحيماً باعتبار هذا الشعور الإنساني، لكن هذه الرحمة ناقصة لأنها لم تتوج بالعمل.
إذاً من خلال هذا التعريف الدقيق أنت لن تكون رحيماً أي: لن يرضى الله عنك ولن تكون عِندَ الله مقبولاً، ولن تكون عند الله محظياً، ولن يرفعك الله في درجات القُرب إلاّ إذا أردت وفعلت، أردت أن ترحم الناس وفعلت ما أردت، لذلك قالوا: "المعروف بالتمام".
أحياناً تُعَزِّي مصاباً وتتباكى أمامه وتُعبّر عن مشاعرك الإنسانية ولا تفعل شيئاً وهو مصاب، فما قيمة هذه المشاعر؟ وما قيمة هذه الأحاسيس؟ وما قيمة هذه الدموع؟ ما قيمة هذه المصافحة الحارة إن لم تفعل من أجله شيئاً؟ ما الذي يأسر قلبه؟ إحسانُك..
أعرف أشخاصاً آخرين توفي والدهم وأتى الأقرباء الأغنياء ليعزوهم وليقدموا لهم أحرَّ المشاعر وأشدَّ المواجد، وفي النهاية انصرفوا إلى بيوتهم وما قدّموا شيئاً.
فلذلك هذه المشاعر التي يُحِسُ بها الإنسان إن لم يتبَعْهَا عمل طيّب مع القدرة عليه لا قيمة لها، فقيمتها بما يتبَعْهَا من عمل طيب، هذه المشاعر لا قيمة لها ولا يُؤخذ بها يوم القيامة، لذلك:
عَنِ ابْنِ عُمَرَ قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "مَنِ اسْتَعَاذَ بِاللَّهِ فَأَعِيذُوهُ وَمَنْ سَأَلَكُمْ بِاللَّهِ فَأَعْطُوهُ وَمَنِ اسْتَجَارَ بِاللَّهِ فَأَجِيرُوهُ وَمَنْ آتَى إِلَيْكُمْ مَعْرُوفًا فَكَافِئُوهُ فَإِنْ لَمْ تَجِدُوا فَادْعُوا لَهُ حَتَّى تَعْلَمُوا أَنْ قَدْ كَافَأْتُمُوهُ". [سنن النسائي].
أي: إنَّ هذه العبارات الحارة هذه العبارات الرنانة، العبارات الدافئة إن لم يتبَعْهَا بذل وعطاء وعناية فلا قيمة لها، أحياناً يأتي الابن لزيارة أمه يُقبّل يدها ويُقبّل قدمها وينصرف إلى بيته وإلى أولاده وإلى زوجته ولا يُقدّم لأُمِهِ شيئاً إلا هذه العبارات المعسولة، هذا العمل لا يُعتدُّ به، لأنه مبني على موقف ذكي، وليس موقفاً فيه تضحية مادية.
قال العلماء: إنما الرحمة التامة أن تُفيض عطاءك على المُحتاج، أن تريد وأن تفعل حتى تُسمى رحيماً.
الله سبحانه وتعالى رحيم، إذا قضيت حاجات الناس، مثلاً لك أقرباء أسبغت عليهم، مما أعطاك الله عز وجل، أعطيتهم بعض الحاجات في أوقاتها المناسبة، في أيام الشِدة كنت معهم، فهذا الذي يرقى بك عند الله عز وجل.
الآن: هُناك رحمةٌ عامة، وهناك رحمةٌ تامة، الرحمة التامة ما توافرت فيها الإرادة والعمل، الرحمة العامة ما أصابت المُستحق وغير المُستحق، أحياناً تهطل أمطار غزيرة، هذه الأمطار تُفيد الناس جميعاً، فهذه الرحمة العامة، لكن الرحمة الخاصّة لا ينالُها إلاّ المُستحق.
أضرب لكم مثلاً يُقرِّب المعنى، أب له خمسة أولاد، كل هؤلاء الأولاد يأكلون الطعام على المائدة، وكلهم يلبسون ثياباً، وكلهم ينامون على أَسرّة وثيرة وفي غُرف دافئة، الأب يُعطي كل أولاده بالتساوي فرحمته عامة، لكن أحد هؤلاء الأولاد على قُرب شديد من الأب فهو يبر أباه براً شديداً وإخلاصه لأبيه كبير، وذو وفاء متميز، فالأب أحياناً يَخُصّ هذا الابن بأشياء خاصّة.
روي في الحديث القدسي: "عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك"، مؤمن، وغير مؤمن تأكل وتشرب وتستمتع بالطعام والشراب والماء البارد والدفء والبرودة والمناظر الطبيعية، وتستمتع بالأهل والأولاد، وفي كل بيت أولادٌ صغار، والآباء يستمتعون بأبنائهم الصغار بحركاتهم وسكناتهم ولكن أن يتجلّى اللهُ على قلبك، وأن يملأ قلبكَ نوراً، وأن يُقرِبَكَ إليه، هذه رحمة خاصّة، هذه لا ينالُها إلا المُستحق، فلله في خلقه رحمة عامة ورحمة خاصة، الرحمة العامة ينالها كل الناس، قال تعالى:
}وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَـَذَا بَلَداً آمِناً وَارْزُقْأَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِقَالَ وَمَن كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِالنَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ{[البقرة: 126].
يعني أن تستمتع بالحياة، وأن تأكل ألذَّ الطعام، وأن تسكن في بيتٍ مريح، وأن تكون لك زوجة تروق لك، وأن يكون لك دخلٌ وافر، وأن تشعر أنكَ متفوق على الناس، فإيّاك أن تظن هذه رحمة، لأنَّ الله "يُؤتي الدنيا من يُحب ومن لا يُحب"، هذه رحمة عامة ينالُها كلُّ الناس: "عبدي لي عليك فريضة ولك علي رزق، فإذا خالفتني في فريضتي لم أخالفك في رزقك".
تأكل وتشرب وتستمتع بالأهل والأولاد والطعام والشراب والبيت المريح والدفء والمكانة والسُمعة، والتألُّق والنجاح، والتفوق، فليسَ هذا إيثاراً في الحقيقة، الإيثار أن يَخُصَكَ الله برحمةٍ خاصّة:
}وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِيالْمُحْسِنِينَ{[يوسف: 22].
الرحمة الخاصّة أن يتجلّى الله على قلبك، فتمر عليك ساعة لا تعدلها الدنيا وما فيها، إني لست مثلكم إني أبيت يطعمني ربي ويسقيني [البخاري من حديث ابن عمر].
أيها الأخ الكريم: اسأل نفسك هذا السؤال، عطاؤك من الله من أي نوع، قد يكون العطاء من نوع عطاء قارون، }إِنَّ قَارُونَ كَانَ مِن قَوْمِ مُوسَى فَبَغَى عَلَيْهِمْ وَآتَيْنَاهُ مِنَالْكُنُوزِ مَا إِنَّ مَفَاتِحَهُ لَتَنُوءُ بِالْعُصْبَةِ أُولِي الْقُوَّةِإِذْ قَالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِين{[القصص: 76]،وقد يكون عطاؤك من نوع عطاء فرعون، ولكن البطولة أن يكون عطاؤك من نوع عطاء سيدنا موسى، وسيدنا يوسف:
}وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِوَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَى آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىأَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ{ [يوسف: 6].
هناك اجتباء، وهناك تقريب وهناك مقعد صدق عند مليك مقتدر وهناك نور يقذفه الله في قلبك، فترى به الخير خيراً والشر شراً هناك شعور أن الله يحبك، هناك مشاعر لو وزعت على أهل بلد لأسعدتهم.
إنّ رجلاً من إخواننا الكرام ذهب لأداء فريضة الحج، ولما عاد، قال لي كلمة وأظنه صادقاً فيما يقول: قال لي: والله ليس في الأرض من هو أسعد مني.. إلا أن يكون أتقى مني، وهو فقير ولا يملك من الدنيا شروى نقير، ومع ذلك أقسم بالله أنه ليس في الدنيا من هو أسعد منه إلا أن يكون أحدٌ أتقى منه، هذه الرحمة الخاصة، يعني قد يعطيك المال ويجعل قلبك ممتلئاً بالقلق، قد يعطيك الصحة وتكون أشقى الناس قد يبوئك أعلى مكانة في المجتمع ولا تكون عند الله مقبولاً، حينما قال النبي عليه الصلاة والسلام لسيدنا معاذ بن جبل قال:
"يا معاذ! والله إني لأحبك" [رواه أحمد].
هذا عطاء ثمين، أن يحبك سيد الخلق صلى الله عليه وسلم فهنيئا لك ويقول صلى الله عليه وسلم لسعد أيضا "يا سعد اِرْمِ فداك أبي وأمي يجمع له أبويه"، "هذا خالي فليُرِني أحد خاله" [الترمذي من حديث جابر].
إذا كانت لك مع الله مودة، سَهَرُ الليالي، غَضُّ البصر إنفاق الأموال، حضور مجالس العلم، في هذه الأجواء الباردة والطرقات الصعبة، حينما تسعى بشدة على رجليك إلى مجلس علم، حينما تتفقد اليتامى والفقراء والمساكين في ظلمات الليل، حينما تشمر وتنهض للعمل الصالح، حينما تقدم شيئاً ثميناً لأخيك المؤمن، كما قال عليه الصلاة والسلام: "ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحب لي من أن أعتكف في المسجد شهرا". هذه الجهود المتتابِعة، المتراكمة، الكثيرة المديدة، هذه الجهود تتوج بما يسميه العارفون بالله بتجليات، إذ يتجلى الله بها على قلبك فتشعر بالسعادة، لو جلست مع أناس مقطوعين عن الله عز وجل لرأيتهم مقهورين، لرأيتهم ضائعين، لرأيتهم شاردين، لرأيتهم حائرين، رأيت أمرهم فُرُطاً، رأيتهم متشككين، رأيتهم متشائمين، رأيتهم متمزقين، ترى الدنيا عندهم عريضة لكن الله حرمهم من سعادة القُرب.
وما أكثر ما ذكرت هذه الواقعة وكررتها: هذا الذي وقع في منزلق طفيف فوقع في الحجاب عن الله عز وجل، فصار ينتظر مصيبة بحسب ما يعلم، فلما تأخرت المصيبة ناجى ربه فقال يا رب لقد عصيتك ولم تعاقبني، فوقع في قلبه: أن يا عبدي قد عاقبتك ولم تدرِ ألم أحرمك لذة مناجاتي؟!
هذه الجهود لها مردودها الطيب، فمثلاً شاب في مُقتبل الحياة من المسجد إلى البيت إلى العمل، في حين أن بقية الشباب في سهراتهم المنحطة وفي أفلامهم الخسيسة وفي مزاحهم الرخيص، وفي لعبهم للقِمار، وفي إطلاق كلمات السوء في الطرقات للفتيات، أنت من البيت إلى المسجد ومن العمل إلى المسجد، من تلاوة القرآن إلى حديث رسول الله، ومن خدمة زيد إلى خدمة عبيد، هذا الإنسان مع هذه الجهود الكبيرة، عندئذ يجعل الله قلبه مستقراً لأنواره.
لذلك: "أولياء الله تعالى الذين إذا رُؤوا ذكر الله تعالى"، بمجرد أن تقع عينك على مؤمن صادق الإيمان يُحس الناظر برعشة في قلبه، كأنه تذكر الله عز وجل، هكذا قال عليه الصلاة والسلام، "أولياء الله تعالى الذين إذا رُؤوا ذُكر الله تعالى"، هذا الموضوع يُذكِرُنا بمعيّة الله العامة والخاصّة ما دُمنا قد تحدثنا عن رحمة الله العامة، العامة موجودة لجميع الناس، العامة أن تتنفس الهواء وتشرب الماء وتأكل الطعام، وتنام على فراش، والقلب منتظم والرئتان والكليتان، والعضلات والأعصاب والأولاد في البيت والزوجة كذلك والعمل مريح، هذه رحمة عامة، هذه يستوي فيها المؤمن وغير المؤمن، وقد تجد غير المؤمن متفوقاً كثيراً في هذه الأنواع على المؤمن، ولكن الرحمة الخاصة، حينما يُلقي الله في قلبك نوراً، حينما يُعلِّمُكَ الله، ما اتخذ الله ولياً جاهلاً لو اتخذه لعلَّمه، حينما يُلهِمُكَ الله سواء السبيل، حينما يُلِهِمُكَ الله رشدك، حينما يُقيّض الله لك مَن حولك لتكون معهم في معيّة وفي صحبة طيبة، حينما يجعل الله برك في مواقعه وعند أهل الحُفّاظ لا عند أهل الجحود، هذه رحمة الله عز وجل، هذا يذكرنا بمعيّة الله العامة ومعيّته الخاصة، وذكرت من قبل أن الله مع كل مخلوق كائناً من كان بدليل قوله تعالى:
}هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّاسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُمِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء وَمَا يَعْرُجُ فِيهَا وَهُوَ مَعَكُمْأَيْنَ مَا كُنتُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ{[الحديد: 4].
مع المؤمن والكافر، والمُلحد، والشقي والسعيد، والعاصي والطائع، والنظيف والطاهر، مع كل هؤلاء، لكن هناك آيات:
}وَاعْلَمُوا أَنَّ اللّهَ مَعَالْمُتَّقِينَ{[التوبة: 123].
}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ إِنَّاللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ{[البقرة: 153].
}وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُالصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْوَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْوَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ{[المائدة: 12].
البطولة أن تنال معيّته الخاصة، والبطولة أن تنال رحمته الخاصة، الرحمة العامة، أنت كأب لو أن أحد الأولاد لا سمح الله ولا قدّر كان عاقّاً وقاسي الكلمات وحاد النظرات، هو متجهّم دائماً يرد الكلمة بعشر كلمات يأتي وقت الطعام تقول له بلسان المبغض: اجلس كُلْ، كُلْ لكني لا أحبك كُلْ، خُذْ ما تريد، خذ كل هذه الحاجات، لكن الابن البار نظرة حانية من أبيه لا تُقدّر بثمن، نظرة حانية منه، كلمة رضي الله عنك، هذه من قلب ممتن، هذه لا يعدلها شيء، فلذلك أيها الإخوة البطولة لا أن تنال رحمته العامة كأن تستنشق هواء وتأكل وتشرب وتنام وتتزوج وتعمل وتكسب المال، هذا قدر مشترك بين جميع الناس، لما روي عن النبي الكريم صلى الله عليه وسلم "إن الله يؤتي الدنيا من يحب ومن لا يحب ولا يؤتي الإيمان إلا من أحب".
لكنَّ الشيء الذي يجب أن تسعى إليه هو رحمتَه الخاصة، بأن يُعلِمُكَ، وأن يُلقي في قلبك نوراً، وأن يُعلِمُكَ من تأويل الأحاديث، أن يُلهِمُكَ الحِكمة، أن تضع الشيء المناسب بالقدر المناسب في الوقت المناسب في المكان المناسب مع الشخص المناسب، قال تعالى:
}يُؤتِي الْحِكْمَةَ مَن يَشَاءُ وَمَن يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَخَيْراً كَثِيراً وَمَا يَذَّكَّرُ إِلاَّ أُوْلُوا الأَلْبَابِ{[البقرة: 269].
أن يُعلِمَكَ وأن يُؤتيك الحكمة، وأن يرزُقُكَ طيباً، وأن يستعملك صالحاً، وما أكثر ما أذكّر أخوتي وجلسائي بالفكرة التالية: إن رأيتُ إنساناً له عمل شريف يخدم به المسلمين أقول له: "إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك".
لك مهنة شريفة مشروعة، تخدم بها الناس، تتقاضى أجراً معتدلاً تنصحهم، هذا عمل شريف، وظفك الله في بعض الوظائف الدينية جعلك تعلم الناس التجويد، فهذا جميل، جعلك تعلم الناس الفقه فهذا أجمل، جعلك تعلم الناس القرآن، وجعل الخير على يديك، فهذه قاعدة، إذا أردت أن تعرف مقامك فانظر فيما استعملك، انظر عملك، هل أساسه الرحمة بالناس أم الإضرار بهم، أساسه بث الأمن في الناس أم سلب الأمن من الناس أساسه العطاء أم الأخذ، أساسه الطمأنينة أم القلق أساسه أن ترحم أم أن تقسو؟ هناك أشخاص لو عُرِضَ عليهم مبالغ فلكية، على أن يكونوا في أعمال تقوم على إيذاء الناس لا يرضون.. بل يقول: معاذَ الله، الله الغني، الله الكريم، أنا أعيش على آلام الناس أنا أبني مجدي على أنقاضهم، أأبني غناي على فقرهم وأبني طمأنينتي على قلقهم، وأبني حياتي على موتهم؟!.. معاذَ الله، الله الغني.
إذاً: الرحمة الخاصّة مشروطة بالطاعة والمجاهدة وبذل المال ومعاونة الضعيف ورحمة اليتيم، ومعاونة الأرملة، وتفقّد الجيران وحضور مجالس العلم وغض البصر والذِكر والتلاوة، هذه قنوات تصلك من خلالها الرحمة الخاصّة وتشعر أنك إنسان متميّز، لك عند الله مكانة هذه المكانة تتبدى في اللُطف، وفي الحِفظ وفي الرعاية، لذلك قالوا معية الله الخاصة: النصر والتأييد والحفظ والتوفيق، تشعر بها، تلمسها بيديك فحينما يكون شخص أثيراً عند شخص ذي مكانة تراه يشعر بشعور عجيب كأنه فوق الناس جميعاً، فهو قريب من شخص مهم، وإذا التقطتْ له صورة بصحبة تلك الشخصية ازدهى نفْساً وتعاظمَ ويقول مثلاً: البارحة كنا معاً على العشاء، فكيف إن كانت لك مع خالق الكون مودة؟ قال تعالى:
}إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُالرَّحْمَنُ وُدّاً{[مريم: 96].
كيف إذا كان اللسان طلقاً في ذكر الله، كيف إذا كان البيان ساطعاً في فهم كلام الله أو في تفسير كلام الله عز وجل، فيا أيها الإخوة القراء الكرام: رحمة الله الخاصّة، تحتاج إلى مجاهدة، لذلك قال إبراهيم بن عيلة: "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر". جهاد النفس والهوى..
الآن هناك شيء سنسميه تحفّظاً؛ الإنسان إذا رَحِمَ إنساناً يقول لك تمزَّق قلبي لمنظره وبؤسه، فقد ترى طفلاً صغيراً واقفاً على قارعة الطريق الساعة الحادية عشرة في البرد الشديد ليبيع الخُبز أو غيره، ألا تشعر برحمة؟ ألا تُحِسُ بتمزّق؟ أين أهله؟ لعلهم محتاجون فالواجب التخفيف عن هؤلاء وهذه رحمة. إن المسلم إنسان يمتلئ قلبه بالرحمة ويدرك أنه من لا يَرحم لا يُرحم.. فإذا شعر رجل أنه سبب في شقاء الآخرين أو أنه يستطيع أن يخفف عن الآخرين آلامهم وبؤسهم ثم لم يفعل هذا الشعور يشقيه إلى الأبد.
التعليق: الإنسان عندما يقف أمام حالة بائسة يُحِسُ أنه يكاد يتفطُّر قلبُهُ، يُحِسُ أنه يتمزق في أعماقِهِ، يُحِسْ بمشاعر رحمةٍ معينة، يا ترى رب العالمين، هل تعتريه هذه المشاعر، لا!! هو منزّه عن هذا لأنه إله، لكنه يرحم كل خلقه.
والشيء الثاني: عندما يرحم الإنسان مخلوقاً معذّباً فإنما يرحمه حتى يُريح نفسه مما اعتراه من مشاعر منغصة، فهذا ضعف فيه، لكنَّ الله عز وجل يرحم لمصلحة المخلوق لا لمصلحة الراحم، نقطتان مهمتان إن الله سبحانه وتعالى منزه عن مثل هذه المشاعر التي تعتري مشاعر الرحيم من بني البشر، وحينما تندفع لرحمة مخلوق فاندفاعك هذا كي تستريح، إذاً هذه الرحمة معلولة، أنت بهذا العطاء تبتغي راحة نفسك، لكنَّ خالق الكون يرحم مخلوقاته ليرحمهم، لا يرحمهم ليتخلّص من شعور محصن اعتراه لا... فالله عز وجل مُنزّه عنه.
ثم إننا نلج باب موضوع دقيق جداً؛ الفرق بين الرحمن والرحيم.
فبعض العلماء قال: الرحمن في ذاته، اسم من أسماء ذاته والرحيم في أفعاله وبعضهم قال: الرحمن في الدنيا والآخرة، على كلٍ القضية تحتاج إلى تفصيل وإيراد أمثلة، أُم وأب، وابن يده اسودّت، هذا مرض الموات وعلاجه قطع يد الابن، الأُم ترفُض أشدَّ الرفض أن تُقطَع يده، الأب يُصر أشدَّ الإصرار على قطع يده فأيهما أشدُ رحمة؟ الأم تبكي وتصرخ، والأب ساكت مُصِرّ على قطع يده، لأن الأب عالم بالعقابيل والأم مُصِرَّة على عدم قطع يده، والحقيقة أن الأب أشد رحمة لأنه بهذا الضرر المحدود ينفع كامل البدن، فيخلصه من أن يسري الداء ويتفشى في سائر الجسم، أما الأم فرحمتها المؤقتة بابنها تكون قد أودت به وأوردته المهالك فمعنى رحمن:
}يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَن فَتَكُونَلِلشَّيْطَانِ وَلِيّاً{[مريم: 45].
وهذا سؤال كبير جداً، يا أخي الله رحيم، وهذه الزلازل وهذه الفيضانات، وهذه المجاعات، وهذه الحروب الأهلية في العالم وهذا القهر وهذا الفقر وهذه الأمراض الخطيرة، يحتار في أمرها المرء فهذه كلها التي تؤذي عينك مصدرها من الرحمن، لأنَّ الرحمن يشمُل الدنيا والآخرة، الإنسان إذا مرض فهذا من مصائب الدنيا فقط؛ فالفقر مُؤلم والمرض مُؤلم، والحرمان مُؤلم، والقهر مُؤلم، والذُلْ مُؤلم، أما إذا كان هذا الحرمان سبباً لعطاء مديد إذا كان هذا الإضرار سبباً لنفع طويل، إذا كان هذا القبض سبباً لبسط كثير، فهذا إذاً ضُرُّ لمنفعة، لذلك إذا رأيت شيئاً مؤذياً فاعلم أن الله سبحانه وتعالى يَضُرّ لِينفع، ويأخُذ لِيُعطي ويبتلي لِيَجزي، ويُذِل لِيُعِز، ويقبض لِيَبسِط لذلك أجمل كلمة قالها بعض العارفين: "الشر المطلق لا وجود له في الكون". ما معنى الشر المطلق؟ الشر الذي يُبتغى لذاته.
الأب الطبيب العالم الذي قلبه يمتلئ رحمة يصر على قطع يد ابنه، يتلافى الضرر الأكبر بالضرر الأصغر، هذا المثل يجب أن يكون واضحاً جداً عند الإخوة القراء الأكارم؛ كل أنواع المصائب في الدنيا، كل أنواع الرزايا كل أنواع الابتلاء، هذا كله ضرر أقل تلافياً لضرر أشد هل هناك آية قرآنية تؤكد هذا المعنى، قال تعالى:
}وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِلَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ{[السجدة: 21].
الله عزَّ وجل رحيم ورحمن، رحيم يمتعك بالصحة، رحيم يمنحك المال، رحيم يوفر المأوى، رحيم يبث فيك الراحة النفسية، لكنه رحمن ينظر إلى آخرتك فيأخذ بيدك للعمل الصالح، وينظر إلى هذه الحياة الأبدية لتسعد بها، التي سوف تحياها، ولمصلحة هذه الحياة الأبدية ربما يُذهب كل مالك.
ذات مرةٍ قال لي شخص وأَقْسَم: أن له بيتاً تزيد مساحته على خمسمئة متر، وله حدائق يقوم على أمرها والعناية بها موظفون، وما أدخل إلى بيته فاكهة إلا بكميات كبيرة، وعنده طباخ وعنده خدم وعنده حشم وله ثلاث مركبات، وله تجارة واسعة وعنده معمل ألبسة، وبعد حين رأيته في بعض أحياء دمشق الفقيرة، قال: أنا أنام على طاولة التفصيل وآكل من هذه العلبة، بلا صحن، كيف سُلب ماله كله.. قصة طويلة فإزاء هذه الواقعة هل نحن أمام رحمن أم رحيم؟، رحمن، لأنَّ هذا الشيء لمصلحة آخرته، كان لا يصلي، وكان يشرب الخمر، ويعتدي على أعراض الناس باعترافه الشخصي، فأراد الله عز وجل أن يَرُدَّهُ إليه سلبه كل المال. واللهِ الذي لا إله إلا هو، كل قصة تسمعها، تُعد هي بنفسها بياناً إلهيا لأنه ماذا قال الله عز وجل: (وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنْ الْعَذَابِ الأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ).
فكأن هذه الحادثة تُجسّد هذه الآية، لذا أيها القارئ الكريم أن البطولة تأتي رَبَّك طوعاً، وأن تأتيه راغباً، وأن تأتيه مختاراً، وأن تأتيه بمبادرة منك، أن تأتيه وأنت صحيح، أن تأتيه وأنت شاب، أن تأتيه وأنت لك مكانة، أن تأتيه وأنت في وظيفتك لا بعد التقاعد، بعد أن ولّت الدنيا وأصبحتَ هرماً، يتنقل من مسجد إلى مسجد لعله يبحث عن مكان مريح، وأنت في كامل عافيتك البدنية والمالية اغدُ إلى بيت الله واسع إلى مرضاة اللهَ.
رحمن الدنيا والآخرة، من أجل سعادتك في الآخرة قد يصرف عنك الدنيا كلها، والله يعلم وأنتم لا تعلمون، لكن اُدع الله عز وجل أن يرزقك الدنيا والآخرة، والدعاء القرآني:
}وِمِنْهُم مَّن يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِيالآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ{[البقرة: 201].
إنّ الله عز وجل يقول:
}مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُشَاكِراً عَلِيماً{[النساء: 147].
إنّ أحد العلماء له كلمة رائعة جداً يقول: "لعلك تقول ما معنى كونه تعالى رحيماً وكونه أرحم الراحمين؟!.. والرحيم لا يرى مبتلى ولا مضروراً ولا معذباً ولا مريضاً وهو يقدر على إماطة ما بهم إلا ويبادر إلى إماطته، والرب سبحانه وتعالى قادر على كفاية كل بلية، ودفع كل فقر وغمة، وإماطة كل مرض، وإزالة كل ضر والدنيا طافحة بالأمراض والمِحن والبلايا، وهو قادر على إزالتها جميعها"، لماذا لا يفعل؟.. هُنا السؤال.. كم مصيبة في الأرض، كم ضائقة، كم من حالات صعبة جداً والله قادر وبيده كل شيء، كُنْ فيكون، قال: الجواب: إنَّ الطفل الصغير قد تَرُقُّ له أمه فتمنعه من الحجامة والأب العاقل يحمله عليها قهراً، والجاهل يظن أن الرحيم هي الأم دون الأب، والعاقل يعلم أن إيلام الأب إياه بالحجامة من كمال رحمته وعطفه وتمام شفقته، وأن الأم له عدو في صورة صديق.
الرحيم مع الجهل عدو في صورة صديق، أحياناً يقول الأب لابنه: سأدعه ينبسط، فبعَثُه إلى إنكلترا وأعطاه مئتي ألف، أب ميسور: اذهب يا بني وانبسط، هذا عدو.. إذا عاد الابن زانياً أو عاد شارباً للخمر أو عاد وهو يحتقر أمَّته ويرى أن أولئك الذين كان عندهم هم الذين يحيون وحدهم في هذه الدنيا، وانتهى دينه إلى ضياع نهائياً، فهذا الأب عدو في صورة صديق، وكل إنسان يدعوك إلى أن تستمتع بالدنيا ولكن على حساب طاعة الله عز وجل فهذا عدو بصورة صديق.
لذلك ربنا عز وجل يقسو أحياناً لمصلحة آخرتك، قد يقول قائل: مصيبة، نعم؛ تصيب الهدف، وأنا أقول دائماً: الله عز وجل إذا أراد أن يداوي مخلوقاً يعلم كيف يداويه ومن أي زاوية أراد أن يداويه، من المكان الصعب، من المكان الحرِج، من حيث هو مطمئن، يُؤتى الحذر من مأمنه، لا ينفع حذر من قدر.
طبيبُ قلبٍ في أمريكا عدَّ الجريَ هو الوقاية التامة للقلب، وألَّفَ كتبا، وبمج مقالات وأجرى محاضرات وهو يجري في اليوم ساعتين أو أكثر، وكأن الجري هو إله يحميه من كل مرض، مات وهو يجري.
الجري مفيد جداً، وليس هذا خطأً، لكن حينما ألّهَ الجري، وعدَّه هو السبب الكافي والشافي، فالله عز وجل خيّبَ ظنه.
ترى أحياناً إنساناً باختصاصه يُصاب، ما هو السبب؟ لأنه متَّكل على اختصاصه متَّكل على علمه، متَّكل على خبرته، فجاءه من مكان طمأنينته، من مكان أمنه.
هذا الموضوع دقيق الدلالات جداً، الله سبحانه وتعالى خلقك للآخرة، لذلك يمكن أن يضحي لك بدنياك كلها، من أجل آخرتك، لكن أنت إذا كنت مُفلحاً وموفقاً اطلب منه، واضرع إليه أن يجمع لك بين الدنيا والآخرة، ائته طوعاً، ارغب فيما عنده حتى يُطمئِنُكَ في الدنيا والآخرة، هذا معنى قوله تعالى: (وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ رَبَّنَا آتِنَا فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَفِي الآخِرَةِ حَسَنَةً وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ).
إن الآية التالية يجب ألاّ تبرح أذهانكم، إطلاقاً: (مَا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِنْ شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا).
فالله غني لماذا يُفقرك؟ لماذا يُضيّق عليك إلا حُباً بك ورحمة بك ودفعاً بك إلى باب عبوديته.
الكلمة اللطيفة كما قال بعضهم: الألم القليل إذا كان سبباً لِلذّةٍ دائمة ليس شراً بل هو خير.
قالوا: الرحيم هو الذي يريد الخير للمرحوم، وليس في الوجود شر إلا وضمنه خير، شرٌ مطلق لا يوجد في الكون.
مثلاً فتح البطن واللهِ عمل مزعج، إنسان أدخل المستشفى فأحضر الطبيب مشرطاً وفتح اللحم، نفر الدم، أخذتَ الملاقط، لقطتَ الأوعية كلها، أتيتَ بالمشدات شددْتها، دخلتَ إلى الزايدة واستأصلتها، هذا عمل ظاهره فيه قسوة ودماء، ولكن باطنه رحمة، لأنها إذا أهملت ثم انفجرت حدثت مشكلةٌ كبيرةٌ جداً، كالتهاب الزايدة فيبادر ذووه مباشرةً إلى المستشفى، أرحم الناس وأقرب الناس يقول: مباشرةً إلى المستشفى هناك فتح بطن، وقطع، ووصل، وخياطة، وتخدير، طبعاً هذه الرحمة ما دُمتَ تفهم أن كل المصائب التي تأتي هي من نوع فعل الطبيب الرحيم فأنت على حق.
لذلك؛ أهل ذكري أهل مودتي، أهل شكري أهل زيادتي، أهل معصيتي لا أقنطهم من رحمتي، إن تابوا فأنا حبيبهم، وإن لم يتوبوا فأنا طبيبهم، أبتليهم بالمصائب لأطهرهم من الذنوب والمعايب، الحسنة عندي بعشرة أمثالها وأزيد والسيئة بمثلها وأعفو وأنا أرحم بعبدي من الأم بولدها.
وبعد، فقبل أن أختم البحث، هناك سؤال يلح علينا: إن خَطَرَ لك نوع من الشر لا ترى تحته خيراً، أو خَطَرَ لك أنّ تحصيل ذلك الخير كان ممكناً من دون اتباع أساليب الإيلام؟ فماذا تفعل.
إنْ رأيت مصيبة هينة وأمرها بسيط، وإذا بدا لك نوع من الشر لا ترى تحته خيراً أو خطر لك أنه كان من الممكن أن يكون هذا الخير من دون ذلك الشر؟ ما الجواب.. قال العلماء: فاتَّهم عندئذٍ عقلك القاصر، وقل: أنا فهمي محدود وعقلي قاصر عن رؤية الغد، مستحيل أن تكون مصيبةٌ بالأرض بلا سبب، أو بلا خير ضمني، أو بلا هدف نبيل، أو بلا غاية عُظمى، لكن الشر المطلق لذات الشر فهذا شيء لا يُمكن أن يكون له وجود في الكون كله، فكل شيءٍ وقع أراده الله، وكل شيءٍ أراده الله وقع وإرادة الله عزَّ وجل مُتعلقة بالحِكمة المُطلقة وحِكمته مُتعلقة بالخير المُطلق، والدليل:
}قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُالْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَالْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{[آل عمران: 26].
"بِيَدِكَ الْخَيْرُ"، لم يقل والشر، الإعزاز خير، الإذلال خير إيتاء المُلك خير، سلب المُلك خير، أما إذا قلت إِن هذا الشر لا خير تحته أو لا خير وراءه، قالوا: فإنّ هذا مما تقصر العقول عن معرفته.
لقد أسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي
ونار لو نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في رماد
إذا أتى الله شخصا عِلماً وبصيرةً وآتاه قُدرةً على تفسير المصائب تفسيراً يليق بذات الله عز وجل وأسمائه الحسنى، فهو راضٍ بقضائه وقدره، ويرى يد الله تعمل في الخفاء، ويرى يد الله فوق أيدي الناس، فإذا ابتعد الإنسان عن التوحيد وقع في آلام لا تُحتمل، كما روي أن النبي عليه الصلاة والسلام قال:
"إِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ خِيَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ سُمَحَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ شُورَى بَيْنَكُمْ فَظَهْرُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ بَطْنِهَا وَإِذَا كَانَ أُمَرَاؤُكُمْ شِرَارَكُمْ وَأَغْنِيَاؤُكُمْ بُخَلَاءَكُمْ وَأُمُورُكُمْ إِلَى نِسَائِكُمْ فَبَطْنُ الأَرْضِ خَيْرٌ لَكُمْ مِنْ ظَهْرِهَا". [سنن الترمذي].
إنّ الإنسان إذا لم يُوّحد يقع في شقاء لا نهاية له، والتوحيد ألاّ ترى مع الله أحداً، وأن ترى كل شيء ينتهي إلى خير، "بِيَدِكَ الْخَيْرُ"، وأن تدعو الله عزَّ وجل أن يرحمك في الدنيا والآخرة، وأن يؤتيك في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة.


من موسوعة محمد راتب النابلسي
__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله

التعديل الأخير تم بواسطة : اسامة بن زيد بتاريخ 01-02-2010 الساعة 19:11.
رد مع اقتباس
 
  #3  
قديم 01-02-2010, 19:16
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255 الملك





الملك


إن من أسماء الله الحسنى: الملك، "وإن لله تسعةً وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة" [رواه البخاري]، قال تعالى: }هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُالْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَاللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{[الحشر: 23].
وقال تعالى: }مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ{[الفاتحة: 4]
وعند السادة الشافعية يجب أن يقرأ المصلي في الركعة الأولى: مالك يوم الدين، وفي الركعة الثانية: ملك يوم الدين، وقد ورد هذا الاسم في آية أخرى قال تعالى:
}فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ{[القمر: 55].
وفي آية رابعة قال تعالى: }قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُالْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَالْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{[آل عمران: 26].وفي آية خامسة قال تعالى: }فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{[يس: 83].
تعريف الملك:
القدرة على التصرف إذاً هو من أسماء الذات، ويمكن أن يكون من أسماء الأفعال، ومعناه المتصرف.
قرأ مالك بن دينار في الكتب أن الله يقول:
"أنا ملك الملوك، ومالك الملوك، قلوب الملوك بيدي، وإن العباد أطاعوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالرأفة والرحمة، وإنِ العبادُ عصوني حولت قلوب ملوكهم عليهم بالسخط والنقمة... فلا تشغلوا أنفسكم بالدعاء على الملوك، وادعوا لهم بالصلاح، فإنّ صلاحهم بصلاحكم".
الله: ملك بل مالك الملوك ومعنى هذا أن أي شيء يُملَّك: مالكه الله سبحانه وتعالى، وقال بعض العلماء: الملك هو الذي يحكم ولا يملك، والمالك هو الذي يملك ولا يحكم، والله سبحانه وتعالى مالك وملك.
أحياناً يملك الإنسان الشيء ولا ينتفع به وليس من حقه أن يتصرف فيه، وأحياناً ينتفع به ويتصرف فيه ولا يملكه، وأحياناً يملك الشيء وينتفع به ويتصرف فيه وليس المصير له.
مثال: بيت يملكه إنسان ملكاً حراً شرعياً يسكنه، ويملكه، وينتفع به، فإن صدر قرار استملاك فلا يكون مصيره إليه، إذاً إذا قلنا: إن الله سبحانه وتعالى هو مالك الملك فهو يملك الشيء، ويتصرف به ومصيره إليه، فتكون أعلى درجات الملكية هي ملكية الله سبحانه وتعالى.
سئل أعرابي يملك قطيعاً من الإبل: لمن هذه؟ قال: لله في يدي، فالمؤمن الصادق: بيته، متجره، سيارته، خبرته، مكانته، شهاداته، يراها بملك الله عز وجل.
مثال: أعلى طبيب في اختصاصه، إذا تجمدت خثرة في دماغه، يفقد ذاكرته فمصيره إلى مستشفى المجانين، إذاً مَن مالك الملك؟ الله سبحانه وتعالى.
هذه العين التي ترى بها، من مالكها؟ الله سبحانه وتعالى، هذه الأذن، هذا اللسان، هذه الحركة، هذه القوة، أيْ: مِن لوازم الإيمان أن ترى أن كل شيء بحوزتك هو ملك لله عز وجل سمح لك أن تتصرف به.
لمن هذه الأرض؟ لله في يدي، وبيتك لله في يدك، ومتجرك لله في يدك، مركبتك لله في يدك.
الآن إذا قلنا: فلان ملك، هل نقصد بها حقيقةً أم مجازاً؟ العلماء قالوا: لا يمكن أن يملك حقيقةً إلا الله، وأيُّ وصف للملكية لغير الله فهو على سبيل المجاز فقط، لأن الملك هو الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود، فهل من ملك يستغني في ذاته عن كل موجود؟ ألا يستنشق الهواء، ألا يشرب، ألا يأكل، ألا يشعر بحاجته إلى النوم، ألا يخاف، ألا يحزن، ألا يتمنى أن يكون له أعوان كثر، إذاً أي إنسان مفتقر في وجوده وفي صفاته إلى إنسان آخر، لا يمكن أن يكون ملكاً حقيقياً، الملك الحقيقي هو الله عز وجل، وإذا سمينا فلاناً ملكاً فهو من باب المجاز.
الملك الحقيقي الذي يستغني في ذاته وصفاته عن كل موجود ويحتاجه كل موجود، بل لا يستغني عنه شيء في شيء لا في ذاته ولا في صفاته، فهو ملك في ذاته، في وجوده، في صفاته، مستغنٍ عن كل شيء، بحاجة إليه كل شيء، هذا هو الوصف الدقيق للملك ولا يستحقه إلا الله عز وجل، إذاً الملك الحقيقي هو الله، وكل من يصف نفسه: أنه ملك أو مالك هذه الدار أو مالك هذه الدكان أو مالك هذه التجارة أو صاحب هذه الشركة هذا من باب المجاز، اعرف حجمك الحقيقي رحم الله عبداً عرف حده فوقف عنده.
الله سبحانه وتعالى: مالك مُمَلِّك، والشخص الذي لا يستطيع أن يملكك فليس ملكاً، فمن لوازم هذا الاسم أن الله مالك مملك، والدليل قال تعالى:
}قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُالْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَالْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{[آل عمران: 26]
والملك الحقيقي هو أن يملك هواه ولا يملكه هواه، والذي أُعتِق من أَسْرِ نفسه وليس ملكاً لنفسه، قال تعالى:
}رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِالأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَاوَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ{[يوسف: 101]هذه الآية دقيقة جداً: سيدنا يوسف يصف بأنَّ الله قد آتاه الملك: أيُّ مُلْكٍ آتاه! لم يكن أميناً على خزائن الأرض فحسب، بل آتاه الله كذلك الملك الحقيقي، فهذا الملك الذي يؤتيه الله لمن يشاء ملك زائل، وليس مزية يفتخر بها، فما الملك الحقيقي؟ هو أنه ملك نفسه، لمجرد أن قال: معاذ الله حينما دعته امرأة ذات منصب وجمال، حينما قالت: "هيت لك" قال: "معاذ الله"، هذا هو الملك الحقيقي، الملك الذي لا يزول، الملك الذي تسعد به إلى الأبد، أن تملك نفسك ولا تملكك، أن ينقاد لك هواك ولا تنقاد له، إذا انقاد لك هواك وسيطرت عليه فأنت ملك، إذا سيطرت على نفسك فأنت ملك، إذا ملكت زمام نفسك فأنت ملك، إذا سيطرت على شهواتك فأنت ملك، إذا قدت نفسك إلى طريق الخير والسعادة فأنت ملك أما إذا قادتك نفسك إلى الضلال والشهوات والمعاصي والأثام فأنت مملوك، إذا قادك عقلك أنت ملك، إذا قادك هواك فأنت مملوك، وشتان بين أن تكون ملكاً وبين أن تكون مملوكاً.
أحد أكبر زعماء أوروبة في الحقبة السابقة والذي حقق انتصاراً ساحقاً في الحرب العالمية الثانية له كلمة لا أنساها، قال: ملكنا العالم ولم نملك أنفسنا، نحن ضعاف أمام أنفسنا. شخصية كبيرة تغريه امرأة تعمل معه، تنهار نفسه أمام فتنتها. إذاً أنت مملوك، كل أهل الدنيا عندهم نقطتا ضعف مدمرتان: المال والنساء، أي: يملك أشياء كثيرة وله اطلاع واسع، له قدرات عجيبة، ومع ذلك المرأة والدرهم والدينار تمتلكه، إذاً هو مملوك.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم: "تَعِسَ عَبْدُ الدِّينَارِ وَعَبْدُ الدِّرْهَمِ" [سنن ابن ماجه].
المملوك من كان في خدمة المال ولم يجعل المال في خدمته، المال أصلاً مُسخر لك لكنك سُخِّرت له فأنت عبد له، تعس عبد الفرج تعس عبد البطن تعس عبد الخميصة. (أي الثوب) أي أنت مملوك.
إذا قرأتم هذه الآية ترنموا بها: (ربِّ قد آتيتني من الملك) الملك الحقيقي أن تملك نفسك لا أن تملكك، أن ينقاد لك هواك لا أن تنقاد له، أن تسيطر على شهواتك، أن تكون مع الحق حيث كان الحق، أن تكون وقَّافاً عند كتاب الله، أن تعترف بالحق الذي لغيرك عليك وإن كان مراً، هذه هي البطولة الحقيقية، هذا ما اتجه إليه معظم المفسرين في قوله تعالى: }رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَعَلَّمْتَنِي مِن تَأْوِيلِالأَحَادِيثِ فَاطِرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ أَنتَ وَلِيِّي فِي الدُّنُيَاوَالآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ{[يوسف: 101].
بعضهم قال: المَلِكُ: الذي ملك قلوب العابدين فأقلقها، والحقيقة أن الإنسان منذ أن عرف الله عز وجل، أو منذ أن بدأ في معرفة الله، دخل في دوَّامة الحب، أصبح مشغولاً، أصبح عظيماً بعد أن كان تافهاً، فالمؤمن قلق، لا ينزاح عنه قلقه حتى يلقى الله عز وجل، هل اللهُ راض عني؟ هل عملي وفق ما يرضي الله؟ هل الله يحبني؟ هل في عملي إخلاص؟ هل في عملي زيغ؟ هل هناك ما أرجوه غير الله عز وجل؟
ومَلَكَ قلوبَ العارفين فأحرقها، المَلِكُ مَنْ إذا شاءَ مَلَّك ومن إذا شاء أهلك:
}إِنَّ بَطْشَ رَبِّكَ لَشَدِيدٌ{ [البروج: 12].
إذا أعطى أدهش، وإذا حاسب فتّش، أعطانا قبل سنوات أمطاراً غزيرة أخرجت سبعين ضعفاً عن إنتاج السنوات السابقة من القمح وإذا انحبست أمطار السماء، فَمَنْ في الأرض كلها يستطيع أن يصدر قراراً بإنزال المطر؟! ولو اجتمعت الأمم كلها، المجالس كلها، والقيادات كلها، وإذا انحبست الأمطار مات الزرع وتبعه الضرع وتبعه الإنسان.
فنحن عبيد لأننا مفتقرون إلى ماء السماء:
}قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ مَاؤُكُمْ غَوْراً فَمَن يَأْتِيكُم بِمَاءمَّعِينٍ{[الملك: 30].
اللهُ سبحانه وتعالى المَلِكُ من إذا شاء ملّك وإن شاء أهلك، الملك الحق من لا ينازعه معارض، لا معارضون لا مُشَوشون منتقدون، ولا يمانعه ناقد فهو في تقديره منفرد، وبتدبيرهُ متوحِّد، ليس لأمره مرد ولا لحكمه رد، والمَلِكُ من دار بحكمه الفلك.
ذكر الله تعالى في آية واحدة خمسة بنود للملكية، قال تعالى:
}قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُالْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَالْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{[آل عمران: 26].
العلماء فسروا المُلْك أنه ملك الآخرة كما فسَّروه أنه ملك الدنيا، فإذا كنت مؤمناً، مستقيماً، صادقاً مخلصاً، لك عمل طيب فأنت ملك، ولكن مِن ملوك الدار الآخرة يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم؟ والإمام علي يقول: "الغنى والفقر بعد العرض على الله"، وقال سبحانه: (تؤتي الملك من تشاء) ولكن ما معنى: من تشاء؟ إذا قال الله عز وجل: (والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم) ما معنى: يهدي من يشاء؟ يعني: من شاء الهداية هداه الله، يضل الله من يشاء): من شاء الضلالة أضله الله، فالهداية والضلالة أصلهما هداية جزائية أو ضلال جزائي مبني على هداية أو ضلال اختياريين، قال تعالى:
}وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدتَّعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَاللَّهُ قُلُوبَهُمْ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ{[الصف: 5].
تؤتي الملك من تشاء: تؤتي الهداية من شاءها، وتنزع الملك ممن تشاء: رفض الدين، رفض رحمة رب العالمين، رفض وعده العظيم، أراد الدنيا، أراد شهواتها، ينصرف الإنسان إلى الملاهي، إلى شهواته، إلى معاصيه، إلى انحرافاته.
بالمناسبة مُلْك الدنيا: يؤتيه الله لمن يحب ولمن لا يحب، وأما مُلك الآخرة فلا يؤتيه إلا لمن يحب.
المعنى الثاني: ملك الدنيا، الله سبحانه وتعالى يقول:
}وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلاَئِفَ الأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَبَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِّيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُالْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ{[الأنعام: 165].
مَن مَلَّكَكَ هذا البيت؟ الله سبحانه وتعالى، لمن كان هذا البيت؟ لفلان، كيف باعه؟ ضاقت به الأمور فباعه، من الذي جعلك خليفة له في هذا البيت؟ الله سبحانه وتعالى، هذا العمل من ولاّك إِياه؟ الله سبحانه وتعالى، لماذا عُزِل فلان؟ بحكمة الله وتقديره، إذاً المعنى الآخر: تؤتي الملك مَنْ تشاء، المعنى الدنيوي، الله سبحانه وتعالى يقول: (وهو الذي جعلكم خلائف الأرض) ما الحكمة؟ لماذا أعطى فلاناً ومنع فلاناً؟ ومَلَّكَ فلاناً ونزع من فلان؟ لماذا رفع فلاناً وخفض فلاناً؟ الجواب: (ليبلوكم أَيُّكم أحسنُ عملاً) يمتحنك بالغنى وبالفقر، بالصحة وبالمرض، بالقوة وبالضعف، فإذا كان هذا العبد متمرداً فما الجواب؟ قال: (إن ربك سريع العقاب) فإذا كان طائعاً فما الجواب؟ }وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى{ [طه: 82].
إذاً: جعلكم خلائف الأرض، ووزع الحظوظ توزيع ابتلاء وسوف تُوَزَّعُ في الآخرة توزيع جزاء إذاً هو مالك الملك: إِما أن يُمَلِّكك ملك الآخرة أو ملك الدنيا أو ملك الآخرة والدنيا.
ما أحسن الدين والدنيا إذا اجتمعا وأقبح الكفر والإفلاس بالرجل
(وتعز من تشاء وتذل من تشاء) دخلنا في باب العز والذل، هنالك شيء دقيق جداً: إذا أعزك الله سخر لك أعداءك، وإذا أراد الله أن يذل عبداً ما، أذله أقرب الناس إليه، }ومَنْ يُهِنِ اللهُ فما له مِنْ مُكرم{ [الحج: 18]
اجعل لربك كل عزك يستقرَّ ويثبُت
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميّت
إذاً من لوازم أن الله مَلِك أنه هو الذي يعز وهو الذي يذل، فكن مع العزيز.
أطع أمرنا نرفع لأجلك حجبنا فإنا منحنا بالرضا من أحبنا
ولذ بحمانا واحتمِ بجنابنـا لنحميك مما فيه أشرار خلقنا
بيدك الخير، إذاً فالذلُّ خير، ونزع المُلكِ خير، ولكن يسمى شراً من وجهة نظر الإنسان.
تولج الليل في النهار، تصريف الكون، تسيير الكون، الأرض تدور حول الشمس بمدار إهليلجي بيضوي، مَن يجعلها على مسارها تماماً؟ هل في الكون كله قوة تستطيع أن تجعلها على مسارها لو خرجت؟ إنها إن خرجت انتهت وجذبتها كواكب أخرى!!
}إِنَّ اللَّهَ يُمْسِكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ أَن تَزُولَا وَلَئِنزَالَتَا إِنْ أَمْسَكَهُمَا مِنْ أَحَدٍ مِّن بَعْدِهِ إِنَّهُ كَانَ حَلِيماًغَفُوراً{[فاطر: 41].
يمسكها على مسارها، إذا خرج القطار عن سِكَّته، طفل رضيع أو نملة صغيرة أو ذبابة حقيرة هل بإمكانها أن تعيده إلى السكة؟ (ولئن زالتا إن أمسكهما من أَحد مِن بعده) مَن جعل الأرض تسير في الثانية 30 كم؟ مَن جعلها تدور في الساعة 1600 كم؟ مَن جعلها بهذا الحجم؟ من جعل بعدها عن الشمس بهذه المسافة؟ هذا من اسم الله: الملك.
}تُولِجُ اللَّيْلَ فِي الْنَّهَارِ وَتُولِجُ النَّهَارَ فِي اللَّيْلِوَتُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَتُخْرِجُ الَمَيَّتَ مِنَ الْحَيِّوَتَرْزُقُ مَن تَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ{[آل عمران: 27]
ظاهرة توالد الإنسان، تكاثر الحيوان، ظاهرة النبات، وتكاثره (وتخرج الحي من الميت): بذرة الزيتون تبدو لك قطعة من الخشب كامن فيها شجرة بقوة هذه البذور، هذه أنماط الحياة، دورة الحياة، الشجرة يابسة في الشتاء كأنها خشب يأتيها الربيع فإذا هي خضراء.
مرة طلب سيدنا عمر من سيدنا عمرو بن العاص أن يصف له مصر وكان بليغاً، قال:
"يا أمير المؤمنين! مصر طولها شهر، وعرضها عشر، (يعني طولها مسيرة شهر وعرضها مسيرة عشرة أيام)، يخط وسطها نهر ميمون الغَدَوات مبارك الرَّوْحات، يا أمير المؤمنين بينما هي عنبرة سوداء (ترابها أسود اللون لخصوبته) إذا هي درَّة بيضاء (طوفان النيل) إذا هي زبرجدة خضراء، فتبارك الله الفعال لما يشاء".
[النجوم الزاهرة لابن تغري بردي]
وصف مصر في الشتاء وفي فيضان النيل وفي الربيع والصيف، وصف طولها ووصف عرضها.
إذاً مِن معاني الملك أنه يقلب الليل والنهار، ويخرج الحيَّ من الميت ويخرج الميت من الحي، ومن معاني أنه يخرج الميت من الحي والحي من الميت: أن الكافر قد يلد مؤمناً وأن المؤمن قد يلد كافراً.
}وَنَادَى نُوحٌ رَّبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابُنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّوَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍفَلاَ تَسْأَلْنِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَن تَكُونَ مِنَالْجَاهِلِينَ{[هود: 45-46].
آخر بند في المُلْكية: (وترزق من تشاء بغير حساب)، قد يرزق الإنسان الضعيف، وقد يفقر القوي الذكي، لذلك التجار يقولون: ليس عند الله تاجر ذكي، ومن دعاء المؤمنين على الكافرين "اللهم اجعل تدميرهم في تدبيرهم" فالكافرُ يدبر فإذا هو يدمر نفسه. "ولا ينفع ذا الجد منك الجد".
هناك سؤال: هل يملك العبد بالتمليك، لو أنّ إنساناً ملَّكَك شيئاً هل تملكه، كيف نناقش هذه الفكرة؟ مالك هذه الدار، هذه المركبة، تملَّكَ بالثبوتيات تملكا كاملا، هذا كلام نقوله نحن، لكن هناك غلط كبير في هذا الكلام، العلماء قالوا بالحرف الواحد: الأصح أن الإنسان لا يملك! لماذا؟ لأن استقلاله بالتصرف في شيء ما فرع من كونه مستقلاً في نفسه، فإذا كان العبد لا استقلال له في نفسه وذاته البتة، فكيف يكون مستقلاً في تصرفه في غيره؟ ولهذا قال ربنا عز وجل مُعلماً رسولاً ومن بعده عباده:
}قُل لاَّ أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلاَ ضَرّاً إِلاَّ مَا شَاء اللّهُوَلَوْ كُنتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لاَسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَامَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلاَّ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ{[الأعراف: 188]
إذا كان النبي لا يملك لنفسه نفعاً ولا ضراً، أفيملك النفع والضر للآخرين؟ الجواب لا، مِن باب أولى، إذا كنتُ عاجزاً عن هداية ابني! فهل بإمكاني أن أهدي ابنك؟ مستحيل! لذلك فالكلام القطعي والثابت أن الله سبحانه وتعالى هو المَلِك الحقيقي وأن الإنسان إذا ملك فملكيَّةُ مجازية، فمثلاً، قد يقول لك مستخدم في وزارة الخارجية: والله عينا فلاناً سفيراً! هذا كلام مجازي، إنَّ الذي عين فعلاً، ليس المستخدم بل الوزير، أَّما في الحقيقة المطلقة: الذي ملك هذا الإنسان هذا المنصب، هو الله سبحانه وتعالى.
العبد مثلاً متى يكون مسافراً؟ إذا سافر سيده، متى يكون مقيماً؟ إذا أقام سيده، هل للعبد استقلال في حركته عن سيده؟ لا، إذاً كلام قطعي: يجب أن تشعر وأنت تملك أوراق الملكية للبيت أن هذا البيت ملك الله عز وجل، وفي أية لحظة يمكن أن تبيعه، قد يتعطل جهاز بالجسم، فيقال لك: هذه العملية تكلفتها 800 ألف ليرة ومصاريف سفر وإقامة، وبالعملة الصعبة، والنتيجة بيتك ثمن للعملية، فتعرضه للبيع، فسبحان مالك الملك.
ومثل آخر: كُلْيِة تكلفة زراعتها مليون ليرة، وكل شيء تملكه ثمن لهذه العملية، صمام القلب كلفته نصف مليون ليرة، فالإنسان إذا عافاه الله فهو غني وغني بالمعنى الحقيقي.
هناك موضوع دقيق بعض الشيء، وقبل الوصول إليه، يقول تعالى:
}ضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً عَبْداً مَّمْلُوكاً لاَّ يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنرَّزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقاً حَسَناً فَهُوَ يُنفِقُ مِنْهُ سِرّاً وَجَهْراًهَلْ يَسْتَوُونَ الْحَمْدُ لِلّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ{[النحل: 75].
إذا كان العبد مملوكاً لا يقدر على شيء، فهل يكون مالكاً؟ أَيْ: متصرفاً في ملك الآخرين، هذا مستحيل! لكن ما بال الآية الكريمة تقول:
}فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍيَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ{[الروم: 4].
فتبصَّر يا أخي المؤمن، الأمر دائماً بيد الله فكيف نفسر قوله تعالى:
}يَوْمَ لَا تَمْلِكُ نَفْسٌ لِّنَفْسٍ شَيْئاً وَالْأَمْرُ يَوْمَئِذٍ لِلَّهِ{ [الانفطار: 19].
الآن، الأمر لله وفي آية أخرى: (لله الأمر من قبل ومن بعد) وفي آية أخرى:
}ثُمَّ رُدُّوا إِلَى اللّهِ مَوْلاَهُمُ الْحَقِّ أَلاَ لَهُ الْحُكْمُ وَهُوَأَسْرَعُ الْحَاسِبِينَ{[الأنعام: 62]
وفي آية أخرى:
}وَهُوَ اللَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْحَمْدُ فِي الْأُولَىوَالْآخِرَةِ وَلَهُ الْحُكْمُ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ{[القصص: 70].
وفي الدنيا لمن الحكم؟ أليس الحكم لله؟ بلى.
مثال آخر:
}وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُفَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ{[هود: 123]
وكما يقول الله تعالى:
}صِرَاطِ اللَّهِ الَّذِي لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ أَلَاإِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الأمُورُ{[الشورى: 53].
بيدِ مَنْ كانت إذاً؟ هنا العلماء وقفوا وقفة رائعة قالوا: الحقيقة أَنَّ الأمر بيد الله من قبل ومن بعد والحقيقة أن الحكم لله دائماً والحقيقة أنه إليه يرجع الأمر كله دائماً، لكنِ الكفار الغافلون الشاردون الضعاف يرون أنَّ الأمر بيد زيد أو عبيد في الدنيا والحكم بيد فلان والأمر بيد علان أما إذا كان يوم الدين كل الخلائق قاطبة ترى أن الأمر بيد الله وأَن الحكم لله وأنه إلى الله تصير الأمور، فالبطولة أَنْ ترى هذا الشيء في الوقت المناسب.
إذاً حتى الكفار والشاردون وحتى أعتى الكفرة سوف يرون أن الأمر بيد الله وأَنَّ الحكم لله وأَنَّه إليه يرجع الأَمر كله. ولكنهم في الدنيا لا يرون الله عز وجل، يرون أولياء من دونه، يرون مراكز القوى في الحياة هم يعبدونها من دون الله، ويوم القيامة يرون الحقيقة.
إذاً القضية قضية وقت فقط، إما أن ترى الحق في الوقت المناسب قبل أن يفاجئك الموت أو لا بد أن تراه يوم القيامة فتكون الحسرة أية حسرة إذاً البطولة لا أن تنتظر إلى أن ترى مع الآخرين الحقائق، البطولة أن ترى الحقيقة في الوقت المناسب كي تستفيد منها.
هناك شيء آخر: لماذا لا يكون العبد مالكاً مطلقاً؟ قيل: لأنه لا يستغني عن كل شيء: فلو افترضنا أنّ ملكاً عظيماً يستغني عن كل أفراد رعيته، فهل يستغني عن الهواء أو عن الماء أو عن الطعام أو عن الزواج؟ لذلك حين طلب هارون الرشيد الخليفة العباسي الذي ترامت أطراف دولته إلى أقاصي الدنيا، كأس ماء، قال له ابن السماك وكان واعظا ذكياً: يا أمير المؤمنين! بكم تشتري هذا الكأس لو منع عنك؟ قال: بنصف ملكي، قال فاشرب هنيئا فلما شرب قال: أرأيت لو منعت خروجه بكم كنت تشتري؟ قال: بنصف ملكي الآخر، قال: إن ملكا قيمة نصفه شربة ماء وقيمة نصفه الآخر بولة، لخليق أن لا يتنافس فيه، فبكى الرشيد [البداية والنهاية 10\ 215، تاريخ بغداد 14\ 8 تاريخ الخلفاء 293 وابن السماك: محمد بن صبيح أبو العباس الواعظ].
في بعض متاحف القاهرة فرعون من فراعنة مصر الكبار اسمه توت عنخ آمون كشفت مقبرته بأكملها، كما دفن معه طبعاً من الذهب والحلي والأغراض ما لا سبيل إلى وصفه، ولكن وقفت عند نقطة واحدة: أن هذا الملك مات شاباً في الثامنة عشرة من عمره، حيث إِنّ التابوت قصير جداً والجثة قصيرة جداً، قلت وقتها: سبحان الله! مهما كان الإنسان مالكاً ولديه من الثروات ما لديه تبقى الحياة بيد الله عز وجل، فمصر كلها كانت بيده، مقدرات مصر كلها بيده، ومع ذلك توفاه الله في الثامنة عشرة من عمره، فالمقبرة عامرة بالذهب وبشتى أنواع الحلي وبشيء تحار فيه العيون ومع ذلك مات في سن مبكرة فما أغنى عنه مالُه ولا رَدَّ الموت ملكه، إنه مُلك، ولكنّه عارية.
قال بعض الأمراء لبعض الصالحين وقد التقيا يوماً: سلني حاجتك؟ فقال له الصالح: إليَّ تقول؟! قال الأمير: نعم، قال الصالح: لي عبدان هما سيداك، قال الأمير: ومن هما؟ قال الصالح: الحرص والأمل؛ الحرص على الدنيا والأمل المديد هما عبدان عندي وهما سيداك، فقد غلبتهما وغلباك، وملكتهما وملكاك، فالإنسان يكون ملكاً إذا سيطر على شهواته.
عن عبد الرحمن بن زيد بن أسلم قال: خرج عطاء بن يسار وسليمان بن يسار حاجين من المدينة ومعهما أصحاب لهم حتى إذا كانوا بالأبواء نزلوا منزلا فانطلق سليمان وأصحابه لبعض حاجتهم وبقي عطاء بن يسار قائما في المنزل يصلي.
قال: فدخلت عليه امرأة من الأعراب جميلة فلما رآها عطاء ظن أن لها حاجة فأوجز في صلاته ثم قال: ألك حاجة؟ قالت: نعم! قال: ما هي؟ قالت: قم فأصب مني فإني قد ودقت ولا بعل لي.. فقال: إليك عني لا تحرقييني ونفسك بالنار.
ونظر إلى امرأة جميلة فجعلت تراوده عن نفسه ويأبى إلا ما يريد قال: فجعل عطاء يبكي ويقول: ويحك! إليك عني! قال: فاشتد بكاؤه فلما نظرت المرأة وما داخله من البكاء والجزع بكت المرأة لبكائه قال فجعل يبكي والمرأة بين يديه تبكي! فبينما هم كذلك إذا جاء سليمان من حاجته.
ولبث سليمان بعد ذلك وهو لا يسأل أخاه عن قصة المرأة إجلالا له وهيبة قال وكان أسن منه.
قال ثم إنهما قدما مصر لبعض حاجتهما فلبثا بها ما شاء الله فبينا عطاء ذات ليلة نائم إذا استيقظ وهو يبكي فقال سليمان: ما يبكيك يا أخي؟ قال: فاشتد بكاؤه، قال: ما يبكيك يا أخي؟ قال رؤيا رأيتها الليلة قال: وما هي؟ قال: لا تخبر أحدا ما دمت حيا رأيت يوسف النبي صلى الله عليه وسلم في النوم فجئت أنظر إليه فيمن ينظر إليه فلما رأيت حسنه بكيت فنظر إلي في الناس فقال ما يبكيك أيها الرجل؟ فقلت: بأبي أنت وأمي يا نبي الله! ذكرتك وامرأة العزيز وما ابتليت به من أمرها وما لقيت من السجن وفرقة يعقوب فبكيت من ذلك وجعلت أتعجب منه! قال: فهلا تعجبت من صاحب المرأة البدوية بالأبواء فعرفت الذي أراد فبكيت واستيقظت باكيا.
قال سليمان: أي أخي! وما كان من حال المرأة فقص عليه عطاء القصة، فما أخبر بها سليمان أحد حتى مات عطاء فحدث بها بعده امرأة من أهله قال وما شاع هذا الحديث بالمدينة إلا بعد موت إسماعيل بن يسار رضي الله عنهما.
هذا هو الملك الحقيقي عندما تطيع الله عز وجل.
ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام بعد أن ملك خزائن الأرض وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه وكان يركب في زهاء اثني عشر ألفا من عظماء مملكته سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم له، إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبيدا وذلك جزاء المفسدين وإن الصبر والتقوى صيرا العبيد ملوكا فقال يوسف كما أخبر الله تعالى عنه: إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين.
فالحقيقة هي: مَن تحقق مِن ملك سيده كأنه ملك كل ملك سيده.
حُكي عن شقيق البلخي أنه قال: كان ابتداء توبتي أن رأيت غلاماً في سنِة قحطٍ يمرح زهواً والناس تعلوهم كآبة، فقلت له: يا هذا ما هذا المرح؟ ألا تستحي؟ أما ترى ما فيه الناس من المحن؟ فقال: لا يحق لي أن أحزن ولسيدي قرية مملوكة أدخر فيها كل ما أحتاج، فقلت في نفسي: إن هذا العبد لمخلوق ولا يستوحش لأن لسيده قرية مملوكة، ومولاه مخلوق فقير، فكيف يصح أن أستوحش أنا وسيدي مالك الملوك فانتبهت وتبت - الغلام لقنه درساً في التوبة - إذاً بعضهم يقول: دبِّر أو لا تدبر، فالمدبر هو الله سبحانه:
كـن عـن همومـك معرضـا وكـل الأمـور إلى القضا
وابشر بخير عاجـل تنسى به ما قد مضـــى
فلرب أمر مسخـط لك في عواقبه رضـــا
ولربما ضاق المضيــق وربما اتسع الفضـا
الله يفعل ما يشـاء فلا تكن معترضـــــا
الله عودك الجميـل فقس على ما قد مضــى
ومن رائق الشعر قولهم:
ولرُبّ نازلةٍ يضيق بها الفتى ذرعاً وعند الله منها المخرجُ
ضاقت فلما استحكمت حلقاتها فُرجت وكنت أظنها لا تُفرجُ
سمعت أنه نزلت في إيطاليا في عام من الأعوام أمطارٌ في ليلة واحدة تعادل أمطار العام بأكملِهِ وفي لحظة واحدة فإن الله عز وجل قادر على أن يرزقنا مطراً غزيراً يصبح المعدل فوق المعدل الطبيعي. ولو تأخر المطر، فالأمر بيد الله عز وجل، لكن لا تنسوا أنَّ تقليل الله عز وجل للماء تقليل تأديب لا تقليل عجز.
من آداب الإيمان بأن الله هو الملك، أن يكون العبد بما في يَدَيِ الله أوثق منه مما في يديه إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يديِ الله أوثق منك مما في يديك، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، إذا أردت أن تكون أكرم الناس منزلةً فاتق الله.
حاتم الأصم كان صائماً يوماً فلما أمسى قُدِّم إليه فطوره فجاء سائل فدفع ذلك الفطور إليه فَحُمِلَ إليه في الوقت ذاته طبق عليه كل ألوان الأطعمة فأَتاه سائل آخر فدفع إليه كل ذلك، ففتح بصره فإذا دنانير في الوقت نفسه بين يديه، فلم يتمالك أن صاح: الغوث من الخَلفِ. وكان في جيرانه من يسمى "خلفاً" فتسارع الناس إليه وقالوا: يا أخي؟ ِلمَ تُؤذي الشيخ؟! وما زالوا به حتى جاءوا به إلى الشيخ وقالوا: هذا خَلَف جاءك معتذراً، فقال: إني لم أعْنِهِ أبداً إنما عجزت عن شكر الله عز وجل على ما يعاملني به من الخلف فكلما أنفقت شيئاً أعطاني الله خيراً منه.
عن أنس قال: بينما عائشة في بيتها إذ سمعت صوتا في المدينة فقالت: ما هذا؟ فقالوا: عير لعبد الرحمن بن عوف قدمت من الشام تحمل من كل شيء فكانت سبعمائة بعير فارتجت المدينة من الصوت فقالت: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:
د رأيت عبد الرحمن بن عوف يدخل الجنة حبوا".
فبلغ ذلك عبد الرحمن بن عوف فقال: إن استطعت لأدخلنها قائما فجعلها بأقتابها وأحمالها في سبيل الله.
من عرف أَنَّ الملك هو الله وحده: أنَفُ أن يتذلّلُ لمخلوق؛ وقال بعضهم: أيجمل بالحرِّ أن يتذلل للعبيد وهو يجد ِمن مولاه ما يريد؟! اُطلبْ تعطِ، كن لي كما أريد أكن لك كما تريد، أيليق بك وقد عرفت أنَّ الله هو الملك ولا ملك سواه أن تتذلل لسواه؟ مَنْ عرف الله لم يحتج إلى عَوْنِ المخلوقين وفتنتهم وبذا تستغني عن الناس، والاستئناس بالناس من علامات الإفلاس.
عن أبي الحسين الحمادي القاضي قال: سمعت الفتح بن شخرف يقول: رأيت أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي الله عنه في النوم فقلت له يا أمير المؤمنين أوصني فقال لي: "ما أحسن تواضع الأغنياء للفقراء وأحسن من ذلك تيه الفقراء على الأغنياء" قال: فقلت له: زدني فأومأ إلي بكفه فإذا فيه مكتوب
قد كنت ميتا فصرت حيا وعن قليل تصير ميتا
أغنى بدار الفناء بيت فابن بدار البقاء بيتا
وإذا وثقت بالله عز وجل الله لا يخيبك، من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه ودخل النار.
وكان أمية الشامي يقول: "ألا إن المطيع لله ملك في الدنيا والآخرة" قيل لبعض الشيوخ: أوصني، فقال: كن ملكاً في الدنيا تكن ملكاً في الآخرة، فقال: وكيف أفعل ذلك؟ قال: ازهد في الدنيا تكن ملكاً في الدنيا، استغن عن الرجل تكن نظيره واحتج إليه تكن أسيره، أحسن إليه تكن أميره، فإن كنت ملكاً في الدنيا كنت ملكاً في الآخرة.
سئل الحسن البصري: بمَ نلت هذا المقام؟ قال: باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
قال سفيان بن عيينة: بينما أنا أطوف بالبيت إذ أنا برجل مشرف على الناس حسن الشيب فقلنا بعضنا لبعض ما أشبه هذا الرجل أن يكون من أهل العلم قال: فاتبعناه حتى قضى طوافه وصار إلى المقام فصلى ركعتين فلما سلم أقبل على القبلة فدعا بدعوات ثم التفت إلينا فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا له: وماذا قال ربنا؟ قال ربكم: أنا الملك أدعوكم إلى أن تكونوا ملوكا، ثم أقبل على القبلة فدعا بدعوات ثم التفت إلينا فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا له: وماذا قال ربنا يرحمك الله؟ قال: قال ربكم أنا الحي الذي لا يموت أدعوكم إلى أن تكونوا أحياء لا تموتون ثم أقبل على القبلة فدعا بدعوات ثم التفت إلينا فقال: هل تدرون ماذا قال ربكم؟ قلنا: ماذا قال ربنا؟ حدثنا يرحمك الله! قال: قال ربكم أنا الذي إذا أردت شيئا كان أدعوكم إلى أن تكونوا بحال إذا أردتم شيئا كان لكم قال ابن عيينة ثم ذهب فلم نره
كأن الله عز وجل يقول للإنسان حين يدخل القبر:
"عبدي رجعوا وتركوك وفي التراب دفنوك ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبقَ لك إلا أنا وأنا الحي الذي لا يموت".
قال: ألم تسمع ربك يقول: أنا الحي الذي لا أموت فإن أطعتموني جعلتكم أحياء لا تموتون في جنة عرضها السموات والأرض، أنا الملك الذي لا أزول هلموا أطيعوني أجعلكم ملوكاً لا تزولون ملوك الدار الآخرة أنا الملك الذي إذا أردت شيئاً قلت له كن فيكون، هلموا أطيعوني أجعلكم كذلك أي: كلما دعوتموني أجبكم، كلما سألتموني أعطيتكم أنا عند ظنكم: "ولئن سألني لأعطينه ولئن استعاذني لأعيذنه".
هذه بعض التعريفات والآداب والحدود في شأن اسم الله الملك

من موسوعة محمد راتب النابلسي
__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله

التعديل الأخير تم بواسطة : اسامة بن زيد بتاريخ 01-02-2010 الساعة 19:18.
رد مع اقتباس
 
  #4  
قديم 02-02-2010, 13:39
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255





القدوس

قال تعالى:
}هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُالْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَاللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{[الحشر: 23]
}يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِالْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ{[الجمعة: 1]
وقبل أن نمضي في الحديث عن هذا الاسم الجليل، أودُّ أن أقف وقفة يسيرة عند حقيقة مهمة:
كلكم يعلم أن الجماد كائن يشغل حيزاً، له طول وعرض، وارتفاع وله وزن، وله حجم .. هناك نقطة، النقطة ليس لها حجم، فإذا تحركت شكلت خطاً، فإذا تحرك الخط شكَّل سطحاً، فإذا تحرك السطح شكل حجماً .. نقطة، خط، سطح، حجم.
الجماد يشكل حجماً، له طول، وعرض، وارتفاع، ووزن أما النبات، فيشغل حيزاً، وينمو، أما الحيوان فيشغل حيزاً، وينمو ويتحرك، أما الإنسان فيشغل حيزاً، وينمو ويتحرك، ويفكر، ففي اللحظة التي يعطل فيها الإنسان فكره، يكون قد ألغى إنسانيته، وعاد إلى طور البهيمية .. يعني مَن كانت حياته طعاماً وشراباً، ومتعاً مباحة وغير مباحة، وعملاً ومالاً، دون أن يفكر في الذي خلقه، في الذي أوجده، ودون أن يفكر من أين؟ وإلى أين؟ ولماذا؟ فما قيمة الإنسان الذي يعطل فكره أو يستخدمه في غير ما خُلق له؟ يعني: من الممكن أن تشتري حاسوباً متطورا بعشرات الملايين، وتضعه في زاوية البيت وتضع عليه حاجاتك وكأنه طاولة أليس هذا تعطيلا له؟ !.. أن تستخدم جهازاً بالغ التعقيد، يعطيك لو أعملته معلومات بالغة الدقة أفتستخدمه كطاولة؟
الذي يعطل عقله، أو يستخدمه في غير ما خُلق له، فهذا الإنسان ألغى إنسانيته، وتحركت فيه حيوانيته.
ذكرت هذه المقدمة، من أجل أن تعلموا أن الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان قوةً إدراكية ..فما الذي يجب أن يدركه بها، ما الموضوع؟.. هنا السؤال.
قرأت قبل فترة، أن ما يُطبع في العالم في اليوم الواحد وبلغة واحدة، لا يستطيع الإنسان أن يقرأه في أقل من مئتي عاماً، إذاً هناك موضوعات لا تُعد ولا تُحصى .. ما الذي آخذُ، وما الذي أدعُ؟ .. ما الذي أقرأُ، وما الذي لا أقرأ؟ .. ما الذي أطلع عليه، وما الذي أهمله؟ هذه أسئلة خطيرة.
إذاً لا بد من الاصطفاء، لا بد من أن تصطفي الموضوع الخطير والمعنى الخطير، الذي له علاقة بمصيرك.
إنسان في غرفة جدرانها الأربعة مملوءة كتبا من الأرض حتى السقف، وبعد أيام عنده فحص مصيري، إن نجح في هذا الامتحان سوف يترتب على نجاحه مكتسبات كثيرة، في هذه المكتبة كلها كتاب واحد مقرر، له علاقة بهذا الامتحان، إذاً من البديهي أن يدع كل هذه الكتب، وأن يقرأ هذا الكتاب.
إذاً فالإنسان أُودعت فيه قوة الإدراك، وأُودع فيه العقل.
إن سألتموني عن أعظم شيء خلقه الله في الكون، أقول لكم: العقل لأنه مناط التكليف، لولا هذا العقل الذي أودعه فيك ما كلفك، والعقل وسيلة معرفة الله عز وجل.
قلنا سابقا: هناك مشكلة يحلها طلب العلم والنفوس من طبيعة واحدة ولو أن أَيَّ إنسان بعيد عن الله عز وجل عرف ما عرف المؤمن لأقبل على الله كما يقبل المؤمن، لو أن أي إنسان عرف ما عرفه رسول الله لأحب الله كما أحبه رسول الله صلى الله عليه وسلم، النفوس واحدة، والدليل، قال تعالى: }يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍوَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراًوَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّاللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً{[النساء: 1]
فالناس كلهم من طبيعة واحدة، من جبلة واحدة، لهم خصائص واحدة، فما دامت طبيعة النفس واحدة فالتفاوت إذاً في ماذا؟ . في العلم..
لذلك قالوا: يفعل الجاهل في نفسه ما لا يفعله عدوه به ..
مزارع عنده بيوت محمية، مزروعة نبات له ريع كبير، وقُدِّر ريعُها في الموسم الواحد بما يزيد عن مئتي ألف ليرة، فاشترى دواءً كيميائياً، واستخدمه دون تعليمات الصانع، ضاعف الكمية ورشَّه .. كل هذا النبات مات من فوره، وخسر الموسم كله فهذا الإنسان الجاهل، إذ لم يقرأ التعليمات، فعل في نفسه ما لا يفعله عدوه به.
إذاً الأزمة أزمة معرفة، أزمة علم .. والمشكلة الأخطر؛ أن الإنسان حينما يأتيه الموت سيعرف كل شيء، وسينكشف له كل شيء، وسيرى الحقيقة، وسوف ينكشف له الغطاء .. لقد رأى فرعون ما رآه سيدنا موسى، ولكن بعد فوات الأوان.
فالمشكلة إذا أن المعرفة ينبغي أن تكون في الوقت المناسب، وأن تعرف ما يناسب في الوقت المناسب، ينبغي أن تصطفي من كل المعارف والمعلومات الشّيء المناسب، وأن تعرفه في الوقت المناسب.
والسؤال الجديد الآن: لماذا يجب أن نعرف الله؟ .. أليس هو غني عن المعرفة؟ قال تعالى:
}إِن تَكْفُرُوا أَنتُمْ وَمَن فِي الأَرْضِ جَمِيعاً فَإِنَّاللّهَ لَغَنِيٌّ حَمِيدٌ{[إبراهيم: 8].
" .. يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَتْقَى قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ مِنْكُمْ مَا زَادَ ذَلِكَ فِي مُلْكِي شَيْئًا يَا عِبَادِي! لَوْ أَنَّ أَوَّلَكُمْ وَآخِرَكُمْ وَإِنْسَكُمْ وَجِنَّكُمْ كَانُوا عَلَى أَفْجَرِ قَلْبِ رَجُلٍ وَاحِدٍ منكم مَا نَقَصَ ذَلِكَ مِنْ مُلْكِي شَيْئًا .." [أخرجه مسلم والترمذي].
لماذا نعرف الله؟ .. نعرفه من أجل أن نعبده، ولن تعبده إلا إذا عرفته، ولماذا نعبده؟ .. من أجل أن نسعد به، من أجل أن يتحقق الهدف من خلقنا، قال تعالى:
}إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ{[هود: 119].
إذاً نعرفه، فنعبده، فنسعد به .. ولهذا قال ربنا عز وجل: }وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ{[الذاريات: 56].
وإياك أن تغفل عن هذه الآية أبد دهرك!
العبادة كما تعرفون: طاعة طوعية، ممزوجة بمحبة قلبية، أساسها معرفة يقينية، تفضي إلى سعادة أبدية.
من بين ملايين ملايين ملايين ملايين ملايين إلى أن ينقطع النفس.. من بين ملايين ملايين الموضوعات، ما الموضوع الأكثر أهميةً؟ أن تعرف الله عز وجل، لأنه كما ورد في الأثر: ينادي من يوضع في القبر أول ليلة:
"عبدي رجعوا وتركوك، وفي التراب دفنوك، ولو بقوا معك ما نفعوك ولم يبق لك إلا أنا، وأنا الحي الذي لا يموت".
يجب أن تعرفه لأن المصير إليه، لأنك راجع إليه، لأنك ستأتيه فرداً تتخلى عن كل شيء، كل المكتسبات التي حصَّلتها في العمر، تفقدها في ثانية واحدة، ليس لك إلا الله!
ورد في الأثر:
"يا قيس! إن لك قريناً يدفن معك وهو حي، وتدفن معه وأنت ميت فإن كان كريماً أكرمك، وإن كان لئيماً أسلمك، ألا وهو عملك".
إذاً من بين ملايين ملايين الموضوعات، ليس منها موضوع أكثر أهمية، من أن تعرف الله عز وجل، ولعلك عرفت من قبل أنه خالق، وعرفت أنه رب، وعرفت أنه الإله الحق، وعرفت طرفاً من أسمائه الحسنى، بفضل الله، وتوفيقه، والآن نحن في جولة متواضعة، حول اسم جليل من أسماء الله الحسنى، ألا وهو اسم القُدّوس.
تعلَّمنا في الجامعة؛ أن المدرس الناجح هو الذي يستطيع أن يتكلم حديثاً، بأسلوب طلي جذاب ممتع، غني، لفترة طويلة دون تحضير فهناك معلومات عَقَلَها، تَمَثَّلها، تفاعل معها، عاشها، أصبحت في ذاكرته أصبحت تجري مع دمه، فإذا أراد أن يتكلم، فاللسان طليق والموضوع جذاب، إذاً ألا ينبغي إن سُئلت: ماذا تعرف عن الله؟ عن الذي خلقك عن الذي أنعم عليك بنعمة الإيجاد؟ ألا ينبغي أن تجيب إجابة شافية؟ قال تعالى: }هَلْ أَتَى عَلَى الْإِنسَانِ حِينٌ مِّنَ الدَّهْرِ لَمْ يَكُن شَيْئاًمَّذْكُوراً{[الإنسان: 1].
الذي أنعم عليك بنعمة الإمداد، أعطاك الهواء، أعطاك الماء أعطاك الغذاء، أعطاك الأهل، أعطاك الأولاد، أعطاك العقل، تجني به المعارف، كما تجني به المال وغير المال وأنعم عليك مرةً ثالثة بنعمة الإرشاد، هداك إليه، لو أنك سُئلت: ماذا تعرف عن الله؟ .. ألا ينبغي أن يكون الحديث عن الله سلساً جذَّاباً ممتعاً طلياً؟ هنا السؤال.
فحينما عزمت وبالله التوفيق على أن أتناول أسماء الله الحسنى، كان القصد، أن نعرف الله عز وجل، لأن المعرفة لا بد من أن تنعكس انضباطاً في السلوك والتزاماً عند حدود الشرع، أنا لا أصدق أبداً أن يتعلم الإنسان شيئاً لا ينتفع به، لأن الإنسان حينما يقرأ يتفاعل، وحينما يتعلم يتمنى أن يقطف ثمار هذا العلم.
الاسم الجليل من أسماء الله الحسنى الذي نحن بصدده في الصفحات التالية هو اسم "القدوس"، ورد هذا الاسم في آيتين قرآنيتين ورد في قوله تعالى:
}هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُالْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَاللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{[الحشر: 23].
وورد في قوله تعالى:
}يُسَبِّحُ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ الْمَلِكِالْقُدُّوسِ الْعَزِيزِ الْحَكِيمِ{[الجمعة: 1]
القُدُّوس: على وزن فُعُّول، وهو من القدس، والقُدُس: الطهارة والتقديس هو التطهير، والأرض المقدسة: الأرض المطهرة، وسُميت الجنة حظيرة القُدُس، لأنها مطهرة من آفات الدنيا، وسُمي سيدنا جبريل روح القدس، لأنه طاهر من العيوب في تبليغ الوحي، وفي قوله تعالى حكايةً عن الملائكة:
}وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الأَرْضِ خَلِيفَةًقَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَنَحْنُنُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لاَتَعْلَمُونَ{[البقرة: 30]
ما معنى: ونقدس لك؟ يعني يا رب! نحن نطهر أنفسنا، ونقدسها كي نكون أهلاً للإقبال عليك، وهذه مهمة الإنسان في الدنيا، يجب أن يقدس نفسه كي ينال مقعد صدق عند مليك مقتدر.
كلكم يعلم أنه إذا دُعي إلى حفل كريم، أو إلى لقاء خطير، أو إلى مقابلة كريمة، كيف يعتني الإنسان بمظهره بثيابه، بألوان ثيابه، بكل حركاته وسكناته، فلذلك الملائكة يقولون:
}وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لا تَعْلَمُونَ{[البقرة: 30]
هل تصدقون أن مهمة الإنسان في الدنيا؛ أن يطهر نفسه كي تغدو مؤهلة لتكون في جوار الله في الجنة، لأن الله طيب، ولا يقبل إلاّ طيباً.
الإنسان يطلي بيته، يرى مثلا أن مدخل البيت يحتاج إلى تعديل فيعدله، يرتب غرفة الاستقبال، يزين مركبته، يتأنق في لباسه لماذا؟ .. هذا منظر الخلق .. والقلب منظر الرب (ونحن نسبح بحمدك ونقدس لك).
إذاً يجب أن يكون شغلك الشاغل أن تطهِّر نفسك؛ كي يُسمح لك أن تكون مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين يوم القيامة، وحَسُنَ أولئك رفيقاً.
النقطة الدقيقة في هذا الدرس والتي ربما تحتاج إلى شرح، أنه جاء في تعريف هذا الاسم الجليل: أن القدُّوس هو المنزَّه عن كل وصف، من أوصاف الكمال، هنا المشكلة ..؟ ما هذا؟ إنه كلام خطير وغير مألوف؟!. جواب هذا الكلام أن الإنسان حينما أدرك ذاته، رأى في نفسه كمالات ونواقص، العلم كمال، الحلم كمال، الصبر كمال، السمع، البصر، الإرادة، الحياة هذه كمالات .. الجهل نقص، العمى نقص، الصمم نقص، الخرس نقص اللؤم نقص، الحقد نقص، الضجر نقص .. فالإنسان رأى أن هناك كمالات، وهناك نواقص، فلما أراد أن يثني على الله عز وجل نسب إلى الله عز وجل الكمالات التي يعرفها هو إنّ الله سبحانه وتعالى "القدُّوسٌ" منزه عن الكمالات التي يتصورها الإنسان لنفسه، فكل ما خطر ببالك عن الله فالله بخلاف ذلك، قال تعالى:
}فَاطِرُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ جَعَلَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجاًوَمِنَ الْأَنْعَامِ أَزْوَاجاً يَذْرَؤُكُمْ فِيهِ لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌوَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ{[الشورى: 11].
الله عز وجل ليس كالأب، ولا كالمعلم، أعظم من ذلك، الله رحيم كما يرحم الأب ابنه؟ لا .. فالأب أحياناً يرحم ابنه رحمة دون علم فيورده المهالك، لكن الله رحيم عليم، فرحمته سبحانه وتعالى مرتبطة بعلم.
لذلك لما أراد الإنسانُ أن يثني على الله عز وجل فقد أثنى عليه بصفات الكمالات البشرية، فقال: الله سبحانه وتعالى "قدوس" أي: منزه عن كل وصف من صفات الكمال البشري، هو أعظم من ذلك، هو منزه عن صفات كمال الناس، ومن باب أولى منزه عن صفات النقائص، بل إنه منزه عن كل صفة تُتصور للخلق، كل شيء تصوره الإنسان عن الله عز وجل فهو منزه عن هذه الصفات.
فمثلا: من معاني "الله أكبر"، أن كل ما عَرفتَ عن الله عز وجل، فالله أكبر من ذلك، أكبر مما عرفت، هذا معنى، كذلك فإن "القدوس" منزه ومقدس عن كل صفة يمكن لإنسان أن يتصورها، منزه ومقدس عن كل صفة تشبه صفات الإنسان وتماثلها، ولولا أن الله سبحانه وتعالى سمح للإنسان أن يصفه بصفات كمال البشر، لكان وصفه بصفات كمال البشر ذنباً من الذنوب، تقول: الله رحيم، تقول: الله عادل، الله لطيف، الله حليم، إذا قلت: الله حليم فلعله يدور بخلدك أن الإنسان قد يحلم، فقد يُستفز فلا يغضب، هكذا .. هو قدوس عن هذه الأوهام، وعن هذه الصفات .. فهل صارت واضحة هذه؟ أَقبلتموها؟
رجل من العارفين بالله، قال لعارف آخر: يا فلان ألا تشتاق إلى الله عز وجل؟ ومِنْ أمتع ما في الحياة مذاكرة العلم، عالم بالله سأل عالماً بالله آخر: ألا تشتاق إلى الله؟ .. فقال: لا والله لا أشتاق إليه .. أعوذ بالله ما هذا الكلام؟ قال: لا والله لا أشتاق إليه، قال الآخر: ما هذا الكلام؟! فأجابه: متى غاب عني حتى أشتاق إليه؟ .. متى غاب عني؟!
ومن عجب أني أحن إليهم وأسأل عنهم من أرى وهم معي
وآخر يسأل: يا إمام متى كان الله؟ قال: ومتى لم يكن؟ .. متى لم يكن حتى تقول لي متى كان الله؟.
الآن مرحلة أخرى القدُّوس هو المنزه عن كل وصف يدركه الحس عن كل تصور يتصوره الخيال، أو يسبق إليه الوهم، أو يختلج به الضّمير، أو يقضي به التّفكير .. أمّا أن تقول: منزّه عن العيوب والنّقائص، فإنّ هذا يقترب من باب قلّة الأدب مع الله عزّ وجل أو من باب ترك الأدب.
بربك! لو كنت في حضرة إنسان عظيم، وقلت له: يا سيدي حدْثتُ الناس عنك، قال: فماذا قلت لهم؟ قال: قلت لهم: إن جنابك لست بكاذب! ما هذا؟ أيقبل هذا؟ هل تمدح ملكاً بأنه ليس كاذباً؟ قال العلماء: هذا من ترك الأدب، ألم تر في الملك شيئاً إيجابياً، حتى نفيت عنه الكذب، وهناك قاعدة: إنّ نفي الشيء أحد فروع تصوره، إذا نفيت عن جهة نقيصةً، إذاً بالإمكان أن تقع منه هذه النقيصة، نفي الشيء أحد فروع تصوّره، إذاً من ترك الأدب أن تقول: الله سبحانه وتعالى منزّه عن النقائص، منزّه عن العيوب، هذا من ترك الأدب.
من تعريفات اسم "القدُّوس" أن القدوس من تقدست عن الحاجات ذاته. أمّا أنت فمحتاج، أنت فقير، كل شخصيتك، وعلمك وذكائك وقوة هيمنتك على الناس، وجلدك، كل هذه الصفات تتلاشى أمام شربة ماء في ساعة ظمأ.
قال ابن السماك: يا أمير المؤمنين بكم تشتري هذا الكأس إذا مُنعت عنك؟ قال: بنصف ملكي، قال: فإذا مُنع إخراج الماء؟ قال: بنصف ملكي الآخر.
أنت مُحتاج إلى الهواء، فلو مُنع منك الهواء لاشتريته بكنوز الدنيا.
هذا الذي كان يقطع الصحارى، يجتاز الصحراء على ناقة عليها زاده وطعامه وشرابه تعب من السفر، جلس ليستريح فنام، فلما أفاق لم يجد الناقة وعليها طعامه وشرابه، وهو في عُرض الصحراء، فأيقن بالهلاك، من شدة البكاء أخذته سنة من النوم، أفاق فرأى عن بعد شجرةً، فأشرق في نفسه نور من الأمل، هُرِعَ نحو الشجرة، فإذا إلى جانبها بركة ماء شرب منها حتى ارتوى، ثم تولى إلى الظل، فإذا كيس مملوء، ففرح به فرحاً عظيماً، وهو يحسب أن فيه خبزاً، ولكنْ يا للأسف، لقد فتح الكيس فلم يجد فيه إلا لآلئ، فصاح: وا أسفاه هذه لآلئ، اللآلئ لها قيمة في المدينة؟ لو كان في الكيس خبز! أما وقد منع منه الخبز يقول: وا أسفاه هذه ليرات ذهبية. ماذا أفعل بها في الصحراء؟
في الحرب العالمية الثانية كما سمعت: الرغيف بيع بليرة ذهبية. إذاً فالإنسان ضعيف، مفتقر إلى الهواء، مفتقر إلى الماء، مفتقر إلى الخبز مفتقر إلى الأهل، مفتقر إلى من يؤنسه، مفتقر إلى من يحبه، أنت فقير في الأصل، قال تعالى:
}يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاء إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَالْغَنِيُّ الْحَمِيدُ{[فاطر: 15]
القُدُّوس: من تقدست عن الحاجات ذاته، صمد، وتنزهت عن الآفات صفاته.
والقدُّوس: من تقدس عن مكان يحويه، لا يحويه مكان، وعن زمان يبليه.
القدوس عزيز لا يرتقي إلى تصويره وَهْمّ، ولا يطمع في جواز تقديره فَهْم، ولا تنبسط في ملكه يد من دون تقدير.
هو قدُّوس في ذاته، لكنَّهُ يقدّس عباده الطائعين.
أقول لكم هذه الكلمة: فلان مقدس، المقدس هو الطاهر، تقديس بلا طهارة كلام فارغ، فلان مقدس أي: مستقيم، عفيف، طاهر سليم الصدر، نياته طيبة، ليس في قلبه غلٌّ، ولا حقد، ولا غشٌّ ولا تخونه عينه، ولا يسبقه لسانه، ولا يعطي أذنه لهجر القول لا يُقدس الإنسان إلاّ إذا تنزه عن النقائص.
والقدُّوس من قدس نفوس الأبرار عن المعاصي، وأخذ الأشرار بالنواصي.
القدُّوس من قدس قلوب أوليائه؛ فكل إنسان له قلب صنوبري لا أعتقد أن إنساناً على وجه الأرض ليس له قلب، لكنْ هناك قلب كالجوهر وقلب كالحجر.
}وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيراً مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْقُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَاوَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَـئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْأَضَلُّ أُوْلَـئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ{[الأعراف: 179].
لكنِ كلما اقترب الإنسان من الله عز وجل، صار ذا قلبٍ كبير، ذا قلب صافٍ، قلبٍ ممتلئ حباً لله عز وجل.
الفرق كبير جداً بين قلب وقلب، قلب يلامس السماء رفعة، وقلب يلامس الحضيض ضَعَةً، قلب كالجوهر صفا ماؤه ورقّ، وقلب عكر كدر القلوب أنواع، والقلب بيت الرب، ومحصلة إيمانك كله هذا القلب:
}يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ،إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{[الشعراء: 88-89].
لا بد أن يسعى الإنسان إلى تطهير قلبه من كل درن، وأن يسعى إلى تحليته بكل كمال.
قال العلماء: القدُّوس من قدس قلوب أوليائه عن السكون إلى المألوفات الإنسان مستهلَك، طعامه، وشرابه، وبيته، وأولاده، ورزقه، ودكانه ومتجره، ومعمله، ووظيفته، ومكانته وصحته، وقلبه، وشرايينه، مستهلَك، فهموم الدنيا تستهلكه، لكن قلب العابد مُستَهلِك وليس مستَهلَكاً، يستهلك الدنيا بمعرفة الله، ولا يسمح لها أن تستهلكه المؤمن يقود هواه ولا ينقاد له، المؤمن يسيطر على نفسه، ولا يسمح لها بالسيطرة عليه، المؤمن يحتكم إلى القيم، ويحكمها، ولا يسخرها ولا يسخر منها، المؤمن له مرتبة أخلاقية لا يهبط عنها، وله مرتبة علمية لا يزيغ عنها، وله مرتبة جمالية، المؤمن شخصية فذة.
قال العلماء: القدُّوس من طهَّر نفوس العابدين بإبعادهم عن دنس المخالفات واتباع الشهوات، والقدُّوس من طهّر قلوب الزاهدين من حب الدنيا والقدُّوس من طهّر قلوب العارفين مما سواه .. طهر قلوب العابدين وطهّر قلوب الزاهدين.
فالعابدون متصفون بطاعة الله، مقبلون على عبادته، متحرِّقون إلى الإقبال عليه.
والزاهدون مقيمون على الاكتفاء بوعد الله، معرضون عما يوجب التهمة من ضمان الله كفايتهم.
إذا أردت أن تكون أغنى الناس فكن بما في يدي الله أوثق منك مِمّا في يديك.
إذا أردت أن تكون أكرم الناس فاتق الله، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله ربنا عز وجل قال:
}فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّكَ عَلَى الْحَقِّ الْمُبِينِ{[النمل: 79].
}وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُممُّؤْمِنِينَ{[آل عمران: 139].
مشاعر القهر، مشاعر الخنوع، أحاسيس الذل لا يعرفها المؤمن الذي يعرف أَنَّ أمره كله بيد الله، وأن الله صاحب الأسماء الحسنى والصفات الفضلى.
لذلك النبي الكريم صلى الله عليه وسلم كان يقول عند الكرب:
"لا إله إلا الله العليم الحكيم، لا إله إلا اللهُ رب العرش العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات ورب الأرض رب العرش الكريم" [متفق عليه].
لا إله إلا الله كلَّ شيء بيدك يا رب وأنت رحمن رحيم..
لذلك لا يحزن قارئ القرآن، قارئ القرآن لا يمكن أن يحزن، لأنه يعلم من خلال القرآن أن الأمر كله بيد الله، كن فيكون، ليس عند الإنسان محلات أقفرت، وشواغر خَلِيَتْ، والمِلاك وظائفه امتلأت، هذه المرتبة انحجزت، المهمة مثلا أَخذها ثلاثة، وبقي مئة موظف عطلا، عند الإنسان كل أمر محدود، وكله مقنن، أما ربنا عز وجل ففضله واسع عظيم.
العارفون إذا قاموا قاموا بالله، وإن نطقوا نطقوا بالله، وإن سكتوا سكتوا لله، فكيفما دارت أوقاتهم، وتغيرت أحوالهم، فالغالب على قلوبهم ذكر الله عز وجل.
أو مؤمن أنت؟ أو عاهدت الله عز وجل؟ في السراء والضراء، في الغنى والفقر، في الصحة والمرض، في عمل وبلا عمل، في زواج وبلا زواج لك بيت أو بلا بيت، فلعل الله أن يصلك:
}مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُممَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلاً{[الأحزاب: 23].
قال بعض العارفين: أذاقنا الله مما أذاقهم شمة، إنه ولي كل نعمة.
أجل طعم القرب، فمن ذاق عرف، إن الحديث عن القرب شيء والذوق شيء آخر، وفرق كبير جدا بين أن تقول: ألف مليون دينار ذهبي وبين أن تملكها.
وبعد، فما علاقتنا –نحن المؤمنين- بهذا الاسم؟ قالوا: من عرف هذا الاسم طهَّر نفسه عن متابعة الشهوات، فإذا كنت تطمع أن تكون مع الله دائماً، فعليك أن تنزه نفسك عن الذنوب والعيوب وعما سوى الله كي يقبلك علام الغيوب.
إذاً من عرف هذا الاسم فلا بد من أن يطهِّر نفسه عن متابعة الشهوات لعله يقارب مرتبة الإحسان: اعبد الله كأنك تراه، خوفاً، حباً، فإن لم تكن تراه فإنه يراك .. وهذا حال المراقبة.
قال العلماء: مَن عرف هذا الاسم طهر نفسه عن متابعة الشهوات، وطهر ماله عن الحرام والشبهات، ومن عرف هذا الاسم طهر وقته عن دنس المخالفات .. قال أبو حازملسليمان بن عبد الملك احرص على أن يراك حيث أمرك، وأن يفقدك حيث نهاك في وقت مجلس العلم أين أنت؟ في بيت الله .. في وقت صلاة الجمعة أين أنت؟ .. فيما بين الفجر والشمس أين أنت؟ على السرير أم في مصلاك؟ يجب أن يراك حيث أمرك، وأن يفقدك حيث نهاك، في هذه الطرقات المزدحمة بالنساء الكاسيات العاريات، هل أنت في هذا الطريق؟ لا والله، هو في بيت من بيوت الله.
كما قال العلماء: من عرف هذا الاسم طهر وقته من دنس المخالفات، وطهر قلبه عن مسلك الغفلات، وطهر روحه عن فتور المساكنات.
فالمساكنات أن يركن إلى الزوجة، يركن إلى أولاده، أن يؤثرهم على مرضاة الله عز وجل .. يقولون: ابق قاعدا معنا الآن، كفاك دروسا، أما شبعت دروساً، يركن إلى الأهل والأولاد، يركن إلى نزهة أعاقته عن مجلس علم، لكن من عرف هذا الاسم طهَّر نفسه عن متابعة الشهوات، طهر ماله عن الحرام والشبهات، طهر وقته من دنس المخالفات، طهر قلبه عن مسالك المخالفات، طهر روحه عن فتور المساكنات، طهر سرَّه عن الملاحظات والالتفاتات .. فلان يراني؟ .. دخل المسجد ليصلي لقي إخواناً له في المسجد.
قام ليصلي بخشوع... لا ..
روى ابن خزيمة في صحيحه عن محمود بن عبيد قال: خرج النبي صلى الله عليه وسلم فقال: "أيها الناس إياكم وشرك السرائر قالوا: يا رسول الله وما شرك السرائر؟ قال: يقوم الرجل فيصلي فيزين صلاته جاهدا لما يرى من نظر الناس إليه فذلك شرك السرائر".
لا تلاحظ الخلق أبداً، لاحظ الخالق، هؤلاء لا ينفعونك أبداً، أنت لك عند الله مكانة، لا يرفعها مدح المادحين، ولا يخفضها ذم الذامين.
أضرب لك هذا المثل وأنا أردده كثيراً: معك كيلو معدن، هو ذهب، ظنه الناس معدنا خسيساً، فلن تضار فيه، وثمنه موجود، وأما لو كان معك كيلو من المعدن الخسيس، بذكاء بارع، وطلاقة لسان، وقدرة إقناع أقنعت الناس أنه ذهب، فلن ينفعك إقناعك لهم شيئا، لا إن اقتنعوا بأن الخسيس ذهب تربح، ولا إن اتهموك بأن ذهبك خسيس تخسر، خيرك منك وشرك فيك.
قال أهل العلم: هذا الذي عرف اسم القدُّوس لا يتذلل لمخلوق ولا يتضعضع أمام غني قال فرقد السبخي:
قرأت في التوراة:
من أصبح حزينا على الدنيا أصبح ساخطا على ربه عز وجل
ومن جالس غنيا فتضعضع له ذهب ثلثا دينه.
ومن أصابته مصيبة فشكا إلى الناس فإنما يشكو ربه عز وجل.
حسنا، هذه النفس التي عبدت ربها، هذه النفس التي أَقبلت عليه سبحانه، أيليق بها أن تتذلل لمخلوق؟ .. وقد عرفت اسم القدوس، هذه النفس التي تقدست بمعرفة الله لا يمكن أن تتذلل لمخلوق، لذلك من جلس إلى غني فتضعضع له (أي تمسكن له) ذهب ثلثا دينه.
عن عثمان بن عفان قال: لقد اختبأت عند ربي عشرا: إني لرابع أربعة في الإسلام وما تعنيت ولا تمنيت ولا وضعت يميني على فرجي منذ بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وما مرت علي جمعة منذ أسلمت إلا وأنا أعتق فيها رقبة إلا ألا يكون عندي فأعتقها بعد ذلك ولا زنيت في جاهلية ولا إسلام لقد صارت يده مكرمة مقدسة عنده.
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
المؤمن له معاملة خاصة عند الله عز وجل، والدليل:
}وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِفَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّيكُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{[الأنبياء: 87].
وتعقيب ربك على هذه القصة صار قانونا:
}وَكَذَلِكَ نُنجِيالْمُؤْمِنِينَ{[الأنبياء: 88]
والله هذه الآية وحدها، تملأ النفس إشراقاً، تملأ النفس طمأنينةً تملأ النفس عزة، تملأ النفس كرامةً، (وكذلك ننجي المؤمنين).
قال العلماء: هذا الذي عرف اسم القدُّوس ومن هو؟ لن يتذلل لمخلوق بهذه النفس التي تقدست بمعرفة الله عز وجل!! مستحيل أن يُذلّ نفسه إلاّ لله سبحانه.
وهذا الذي عرف اسم القدوس لا يعظم مخلوقاً بالقلب الذي به شهده، هذا القلب الذي عظم الله عز وجل يستحيل أن يعظم مع الله أحداً؟.
}يَحْلِفُونَ بِاللّهِ لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ وَاللّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنيُرْضُوهُ إِن كَانُوا مُؤْمِنِينَ{[التوبة: 62].
إن إرضاء رسول الله هو عين إرضاء الله.
كماقال العلماء: هذا الذي عرف اسم القدُّوس حقيقة يجب ألا يبالي بما فقده بعدما وجده، إنها حقيقة واضحة.
فليتك تحلو والحياة مريرة وليتك ترضى والأنام غضاب
وليت الذي بيني وبينك عامر وبيني وبين العالمين خــراب
إذا صح منك الوصل فالكل هين وكل الذي فوق التراب تـراب
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعْتَ ثياب العجب عنك وجئتنا
لذلك هذا الذي عرف اسم القدُّوس لا يبالي بما فقده بعدما وجده.
قرأت مرةً عن سيدنا الصديق رضي الله عنه، كلمةً لا أنساها، مفادها: أنه ما ندم على شيء فاته من الدنيا.
وبعد: فلا يرجع من قصده قبل الوصول إليه بعدما قصده.
انظر لهذه الكلمة ما أدقها: ولا يرجع من قصده قبل الوصول إليه بعدما قصده.
أنت قصدت الله عز وجل، يجب أن لا يثنيك شيء، لا مشكلة ولا خطر، ولا وهم، ولا تهديد، ولا فقر، أبداً، هذا هو الصدق، صدق التوجه.
قال أهل الفهم: من آداب من عرف هذا الاسم أن تسمو همته، إلى أن يطهره الله من عيوبه.
عنده عيوب في نفسه، لكن الحقيقة المريحة أن عيوب الجسد تنتهي مشكلتها عند الموت، مهما كانت الآفات، والأمراض، فمثلاً أحدهم يده مصابة، والآخر بصره ضعيف وثالث آلام في ظهره، إذا جاء ملك الموت يُنهي كل المشكلات، ولا يبق أثر لأية مشكلة أبداً.
كل أمراض الجسد تنتهي عند الموت، وكل أمراض القلب تبدأ عند الموت الناس نيام إذا ماتوا انتبهوا.
انغماس الإنسان في شهواته وهو في الدنيا تحجبه عن النظر في عيوبه لكنه حينما يحال بينه وبين شهواته تظهر عيوبه فتحرقه.
روي في الأثر "إن العار ليلزم المرء يوم القيامة، حتى يقول يا رب لإرسالك بي إلى النار أهون علي مما ألقى، وإنه ليعلم ما فيها من شدة العذاب" [الحاكم عن جابر].
آلام النفس، آلام الندم، الشعور بالخيبة، الشعور بالخسارة الكبرى، قال تعالى:
}قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالْأَخْسَرِينَ أَعْمَالاً،الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَأَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً، أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ وَلِقَائِهِ فَحَبِطَتْأَعْمَالُهُمْ فَلَا نُقِيمُ لَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَزْناً،ذَلِكَ جَزَاؤُهُمْ جَهَنَّمُ بِمَا كَفَرُوا وَاتَّخَذُوا آيَاتِي وَرُسُلِيهُزُواً{[الكهف: 103-106].
قال أهل العلم: من آداب من عرف هذا الاسم، أن تسمو همته إلى أن يطهره الله من كل عيوبه، وأن يطهره عن دنس كل عاهاته، في جميع حالاته ويطهر قلبه من كل كدراته، وأن يرجع إلى الله تعالى بحسن الاستجابة في جميع أوقاته.
قالوا: فإن من طهَّر لسانه عن الغِيبة، طهَّر الله قلبه عن الغيبْة عنه، ويصبح قريباً منه، ومن طهَّر لله طرفه عن النظر بالريبة، طهَّر الله سرَّه عن الحجاب.
إذا حجب الإنسان بصره عن المحرمات، كشف الله عن بصيرته، فإذا أطلق بصره حجب عن بصيرته.
وإذا طهر لسانه عن اغتياب الناس، قربه الله إليه.
وملخص هذا: }وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ{[البقرة: 30].
يعني نطهِّر أنفسنا كي نستحق أن نكون معك يا رب، في جنتك مع أوليائك، مع المؤمنين، مع الأنبياء مع الصديقين، مع الشهداء، مع الصالحين.
أنت كن عند الأمر والنهي وعلى الله الباقي، قف في الصلاة متخشعاً لعل الله يتجلى عليك، حاول أن تصلي مع أولادك لعل الله يهديهم سواء السبيل، طهر ظاهرهم لعل الله يطهر باطنهم، لك الظاهر والله يتولى السرائر.
لا تيأس، لو رأيت الإنسان في أدنى دركات المعصية أو في أشدها، فالصلح مع الله ممكن بلمحة.
"إذا رجع العبد إلى الله، نادى منادٍ في السماوات والأرض أن هنِّئوا فلاناً فقد اصطلح مع الله".
وإليكم هذه الكلمات فاحفظوها:
إن للحسنة ضياءً في الوجه، ونوراً في القلب، وسعةً في الرزق وقوةً في البدن، ومحبة في قلوب الخلق.
ألا يتمنى أحدنا أن يكون كذلك، وجه كالشمس منير، قلب مستنير سعة في الرزق، قوة في البدن، محبة في قلوب الخلق؟!.
أحد العلماء بمصر عاش مئة وثلاثين سنة .. ورجل من علماء دمشق رحمهم الله تعالى عاش ستاً وتسعين سنة، ويروي عنه تلامذته أنه كان مستقيم القامة، حاد البصر، مرهف السمع، أسنانه في فمه، خدوده متوردة، قوي البنية، كلما سُئل: ما هذه الصحة؟ يقول: يا بني حفظناها في الصغر، فحفظها الله علينا في الكبر والقصة ذكرها ابن رجب الحنبلي في جامع العلوم والحكم.
اللهم متعنا بأسماعنا وأبصارنا، وقوتنا ما أحييتنا.
قال ابن عباس: "إن للحسنة ضياءً في الوجه ونورا في القلب وقوة في البدن وسعة في الرزق ومحبة في قلوب الخلق وإن للسيئة سواداً في الوجه، وظلمة في القلب، ووهناً في البدن، ونقصاً في الرزق، وبغضة في قلوب الخلق" وقال عثمان بن عفان: "ما عمل رجل عملا إلا ألبسه الله رداءه إن خير فخير وإن شرا فشر" قال عليه الصلاة والسلام:
"إن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه" [مسند الإمام أحمد].
والذنب والسيئة سببُ هوانِ العبد على ربه، وسقوطه من أعين خلقه .. هان أمر الله على الناس فهانوا عليه.
اتق الله باجتناب المحرَّمات تكن من التوابين، وتورَّع عن اقتحام الشبهات تكنْ من المتطهرين، وازهد فيما زاد عن قدر الضرورة تنج من الحساب الطويل، وأقبل على خدمة مولاك تنل الثواب الجزيل.


من موسوعة محمد راتب النابلسي
__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله

التعديل الأخير تم بواسطة : اسامة بن زيد بتاريخ 02-02-2010 الساعة 17:08.
رد مع اقتباس
 
  #5  
قديم 03-02-2010, 14:25
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255




السلام

هذا الاسم الجليل من أسماء الله الحسنى "السلام".
ورد هذا الاسم في نص القرآن الكريم في قوله تعالى:
}هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُالْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَاللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{[الحشر: 23]
وورد أيضاً في قوله تعالى:
}وَاللّهُ يَدْعُو إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍمُّسْتَقِيمٍ{[يونس: 25].
فدعوة الله كلها إلى دار السلام.
وورد في قوله تعالى:
}وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ،فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ{[الواقعة: 90-91].
وورد في قوله تعالى:
}وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً{ [مريم: 15].
هذه الآيات التي وردت في كتاب الله عز وجل ورد فيها اسم السلام، ما معنى هذا الاسم؟ يقول العلماء: هذا الاسم معناه أنه جل جلاله ذو السلامة، ذو السلام أي: ذو السلامة كأن تقول: الرضاع من الرضاعة، هذا الاسم أساسه اللغوي "السلامة" ومعنى السلامة أن ذاته جل جلاله سلمت من كل عيب وسلمت صفاته من كل نقص وسلمت أفعاله من كل شر، ولكن لا بد من وقفة دقيقة عند بعض العبارات سلمت ذاته من كل نقص، وسلمت صفاته من كل عيب، وسلمت أفعاله من كل شر، أليس في الأرض شرور؟ فكيف يقول العلماء في شرح هذا الاسم العظيم من أسماء الله تعالى: سلمت أفعاله من الشر؟.
في الإجابة على هذا السؤال، بادئ ذي بدء أنا أعلق أهمية كبرى على هذه النقطة، لأنك إذا فهمتها -أيها القارئ العزيز-فهماً صحيحاً أحسنت الظن بالله عز وجل وحسن الظن بالله ثمن الجنة، لقد سلمت أفعاله سبحانه عن الشر المطلق، فما هو الشر المطلق؟ هو الذي نفعله لذاته، فمثلا إذا كان عند الإنسان التهاب حاد في الزائدة الدودية ألا يمسك الطبيب الجراح الذي نرجوه أن يجري لنا هذه العملية!!؟ ألا يمسك هذا الطبيب المشرط ويشق اللحم وينبجس الدم وذلك بعد أن يخدر هذا الإنسان؟ فبعد أن ينتهي مفعول التخدير ألا يتألم هذا الإنسان؟ هل أردنا أن نجرحه حباً بجراحته؟ هل أردنا أن نقطع هذا اللحم حباً بإيقاع الأذى؟ أم أن هذا الطبيب الرحيم البارع أمسك المشرط وفتح البطن ليستأصِل هذه الزائدة الملتهبة وفي استئصالها يكون الشفاء والراحة؟ أما إذا جاء إنسان ليطعن إنساناً آخر بالسكين بلا سبب وبلا ذنب نقول: هذا فعل الشر المطلق أي: أوقع فيه الأذى لذات الأذى، أما حينما يفتح جدار البطن ليستأصل هذه الزائدة الملتهبة فهذا ليس شراً مطلقاً؛ هذا هو الشر الذي من أجل الخير، هذا هو الألم الذي من أجل الراحة، فتح الجلد الذي هنا جرى من أجل راحة النفس، فلذلك حينما نقول: من معنى اسم الله السلام أنه ذو السلام، والسلام من السلامة.
إذاً أفعال الله منزهة عن الشر المطلق، أما حينما يوقع الإنسان الشر لذات الشر فهذا شر مطلق.
بناءً على ما سبق يجب أن نعتقد ويجب أن نؤمن أنه ليس في أفعال الله سبحانه شر مطلق.
أجل، ليس في أفعاله سبحانه شر مطلق، ولكن هناك شرور لا يعلمها إلا الله، وهذه الشرور لا بد منها من أجل إحداث النتائج الطيبة.
خلق الإنسان ليسعد إلى الأبد فإذا انحرف عن هدفه فلا بد من تصحيح مساره، لا بد من معالجته، لا بد من دفعه، لا بد من ردعه، لا بد من فعل شيء يدفعه إلى هدفه النبيل، فالذي يؤمن بأن في فعل الله شرورا مطلقة، وأنه سبحانه يوقعها لذاتها فهذا لا يعرف الله إطلاقا، لقول الله عز وجل: }قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُالْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَالْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{[آل عمران: 26].
مثلا: هل في الأرض كلها أب إن رأى ابنه مارسَ انحرافا أو اقترف ذنبا خطيرا، كأن يكون قد اختلس شيئا ليس له، أو اغتصب مالاً ليس له، أو كذب كذبة أدت إلى فساد ما، أو اعتدى على أخيه، فهل في الأرض كلها أب يقف مكتوف اليدين؟ ألا يعالجه؟ ألا يوبخه؟ ألا يضربه؟ ألا يحذره؟ ألا يقرعه؟ وهل في الأرض كلها أب يتقدم من ابنه الحبيب، الذي لم يفعل شيئاً أبدا، ويوقع به الأذى حبا بالأذى؟ هذا الأب منزه عنه، الأب البسيط الذي لا يملك من الرحمة والحكمة شيئاً منزه عن هذه الصفة.
إذاً الشر المطلق لا وجود له في أفعال الله سبحانه.
وما أصاب من مصيبة فبما كسبت أيديكم. وكلما كان الانحراف أشد كان العلاج أقسى.
هذا أول تعريف فإن الله جل جلاله من أسمائه السلام، سلمت ذاته من العيوب وسلمت صفاته من النقص وسلمت أفعاله من الشر المطلق إنّ كل شر يوقعه الله سبحانه في خلقه، وتراه أعينكم هو شر موظف لمصلحة الإنسان البعيدة أو القريبة.
مثال ذلك: قد يُفقِد الإنسان ماله كله وقد يصيبه بمرض عضال، فيذهب المال في العلاج فهذا الفقد للمال وهذا المرض العضال في نظر صاحبه شر خطير. ولكن حينما يخلق الإنسان لسعادة أبدية ويكون هذا العلاج في خدمة عودته إلى الله عز وجل، وقد تلف المال لهذه الغاية النبيلة فهذا هو الخير البعيد.
المعنى الثاني اسم "السلام": أنه سلام أي ذو السلامة لعباده فليس في الوجود كله سلامة إلا معزوّة إليه.
الآن أدخل في موضوع دقيق؛ وأتمنى من كل قلبي أن نسلك معا في فهم أسماء الله الحسنى فهما بمنهج واضح جدا، دعنا من التعاريف النظرية؛ دعنا مما قاله العلماء، وما أَجَلَّ ما قالوه عن اسم الله "السلام"، كونك إنسانا هل تستطيع أن تكتشف في هذا الكون حوادث آيات، أدلة، تؤكد أن الله سلام؟ أنا سعيت ببعض الشواهد المنتزعة من حياتنا من أجسامنا مِمّا حولنا لأؤكد أن هذا الكون كله ما هو إلا تجسيد لأسماء الله الحسنى، وما هو إلا مظهر لصفاته الفضلى.
مثلا: الإنسان إذا كسرت عظامه كيف تلتئم؟ لا أحد يعرف إلا أن الخلية العظمية حينما تصاب بالعطب، والعظام حينما تنمو في بدايتها تنمو إلى أن تصل إلى حد رسمه الله لها لأن الله عز وجل باسط وقابض.
ومن رحمة الله بنا أن الإنسان ينمو فإذا بلغ في نموه الحد المعتدل المقبول يقف النمو، وهناك مرض خطير جدا هو أن الإنسان أحيانا ينمو دون توقف إنه مرض العملقة الذي تنمو فيه العظام بلا توقف، فرحمة الله عز وجل توقف نمو العظام عند حد معين لديه، وقال العلماء: هذه الخلية العظمية تهجع وتنام، وقد يمضي على نومها أربعون عاما فإذا كسر عظم في إنسان استيقظت هذه الخلايا وأعادت بناء ذاتها والتأمت مع أخواتها ونحن لا ندري، وإني لأتساءل: لو أن العظم لا يلتئم ماذا نفعل؟ فالتئام العظم ذاتيا يجسد اسم الله السلام، الله عز وجل خلقك في أحسن تقويم وخلق في طبيعة الجسم إمكانية الترميم والالتئام والشفاء.
أنت إذا سرت على قدميك اللطيفتين فما الذي يضمن لك ألا تقع؟ جهاز للتوازن أودعه الله في أذنك الداخلية حيث ثلاث قنوات في كل منها سائل، وفيها أهداب، فإذا ملت على أحد محوريك ارتفع السائل في مكان دون الآخر وهذه الأشعار الدقيقة أحست بالميل فأعطت أمرا إلى الدماغ كي تعود إلى ما كنت عليه، لولا هذا الجهاز الذي أودعه الله في الأذن الداخلية لاحتاج الإنسان إلى قدم قطرها سبعون سنتمترا، وتكون لديه مركزا واسعا يستند إليه، إذاً من أجل سلامتك جعل الله لك هذا الجهاز جهاز التوازن في الأذن.
الله سبحانه وتعالى أودع في الإنسان، في عظامه، من داخلها أعصاباً حسية بالغة الحساسية لماذا؟ لماذا في نقي العظام أعصاب حس ليس لها وظيفة فيما يبدو، فإذا كسر العظم فشدة الألم تُبقي العظم على حالته لأن إبقاءه على حالته يعني ثلاثة أرباع العلاج، فجعل الله في نقي العظام ذلك العصب الحسي البالغ الحساسية من أجل سلامتك لأن اسمه "السلام".
وأعصاب الحس في الأسنان من أجل أن تبادر إلى طبيب الأسنان فتعالج أسنانك قبل أن تفقدها كلها، فهذا العصب الحسي البالغ الحساسية في أسنان الإنسان من أجل سلامة الأسنان وهو تجسيد لاسم الله "السلام".
جهاز المناعة، وهو حديث العالم اليوم، جيش عظيم أودعه الله في الدم: "الكريات البيضاء" بعض هذه الكريات تستطلع أحوال العدو وبعض هذه الكريات تصنع المصل المضاد بناء على استطلاع الكريات المستطلعة وبعضها تأخذ هذا السلاح المضاد الحيوي وتقاتل به الجرثوم وأنت لا تدري.
من أجل سلامتك أودع الله فيك جهاز المناعة، هذه الكريات البيضاء التي بعضها لاستطلاع بنية العدو ومراكز ضعفه وبعضها لتصنيع المصول وبعضها لمحاربة الجرثوم إذا دخل معتديا على جسم الإنسان، وما مرض الإيدز الذي هو شغل العالم الشاغل إلا ضعف في جهاز المناعة، فمن أجل ماذا خلق الله جهاز المناعة في الإنسان؟ من أجل سلامتك. إذاً هذا يجسد اسم الله "السلام".
القلب: جعل الله عز وجل فيه مركز تنبيه كهربائي خاصا به، ما من عضلة في جسم الإنسان إلا وتأتمر بعصب حسي وعصب محرك، فالعصب الحسي ينقل إحساس المحيط إلى الدماغ والعصب المحرك ينقل أوامر الدماغ إلى العضلات وهذه من بديهيات التشريح، كل عضلات الجسم تتحرك بأمر الدماغ لذلك فالشلل من أين؟ من الدماغ، إذا تضيق شريان في الدماغ في منطقة الحركة يصاب الإنسان بالشلل، إلا عضلة القلب أجل إلا هذه العضلة فقد زودها الله جل جلاله بمركز توليد كهربائي خاص بالقلب؛ لأن القلب خطر جدا، وأن هذا المركز مركز التوليد إذا تعطل فهناك مركز آخر يعمل بعده مباشرة والدول المتقدمة جدا عندها أجهزة توليد كهرباء احتياطية فلو أن مراكز التوليد الأساسية أصابها خلل أو عطب عندئذ تعمل المراكز الاحتياطية، في القلب ثلاثة مراكز توليد كهرباء خاصة بالقلب إذا تعطل الأول يعمل الثاني وإذا تعطل الثاني يعمل الثالث، لماذا خلق الله هذه الاحتياطات؟ من أجل "سلامتك".
قال لي طبيب متخصص في الكليتين: لو أننا جئنا بمبضع الجراح واستأصلنا الكلية الأولى وجئنا إلى الكلية الثانية واستأصلنا تسعة أعشارها بالمبضع، فإن عشر الكلية الثانية يكفي لتصفية دم الإنسان، إذا الله عز وجل من أجل سلامتك أعطى كليتيك عشرين ضعفا عن حاجتك، هذا من أجل سلامتك، فإذا قرأت اسم الله "السلام" علمت أنه زودك بوسائل السلامة هذا كله من معاني اسم الله العظيم جل جلاله.
الأوعية: أوردة وشرايين ولحكمة أرادها الله عز وجل، جعل الشرايين في داخل الأعضاء والأوردة في الظاهر، لأن الشريان موصول بالقلب مباشرة فإذا أصابه جرح فقد الإنسان دمه كله لأنه مثل المضخة، ولو أن إنساناً فُتح شريانه هل تدري ما يكون؟ قال لي طبيب جراحُ أوعيةٍ: في أثناء بعض العمليات حينما يُفتح الشريان وإلى أن نُغلقَهُ بملقط فإنَّ الدم يصل أحيانا إلى سقف الغرفة لشدة الضغط، فهذا الشريان الذي أودعه الله في الإنسان حفاظا عليه وضمانا لسلامة صاحبه جعله في الداخل وجعل الأوردة في الخارج، فعندما تأخذ حقنة في العرق، هذه ليست في الشريان ولكن في الوريد، من جعل الشرايين في الداخل والأوردة في الخارج؟ الله تبارك وتعالى باسم السلام ضمانا لسلامتك.
عندما يجوع الإنسان لدرجة يكاد يموت جوعا، أنت إنسان عندك مواد غذائية؛ عندك مثلا بقول حبوب وعندك دهون، فأنت مهما أوتيت من علم عظيم هل بإمكانك أن تحول هذا القمح إلى مواد دهنية أو إلى لحم؟ هذا شيء فوق طاقة الإنسان ولكن الجسم مزود بآلية عجيبة جدا، بإمكانه أن يحول المواد النشوية إلى مواد دهنية عند الحاجة، فهذه المرونة في تحويل المواد من أجل سلامتك والإنسان عندما يجوع يستهلك شحمه وحينما يجوع بعد ذلك يستهلك عضلاته، في بعض حالات المجاعات تستهلك العضلات، لا يبقى في يده إلا جهازه العظمي وعليه الجلد، العضلات المخططة هذه تستهلك وتذوب، ماذا قال هذا الفتى الشاب درواس بن حبيب لهشام بن عبد الملك حينما دخل مجلسه فغضب هشام حينما رأى حدثا في مجلسه وقال لحاجبه: ما شاء أحد أن يدخل علي إلا دخل حتى الصبيان، فاستأذن واقفا وقال له: "أيها الأمير: إن للكلام نشرا وطيا وإنه لا يعرف ما طيه إلا بنشره ثم أردف قائلا: أصابتنا ثلاث سنين: سنة أذابت الشحم وسنة أكلت اللحم وسنة دقت العظم" فأول شيء يستهلك في الإنسان شَحْمُه وبعد ذلك تُستهلك عضلاته إلا عضلة القلب، من أبدع هذا الإبداع؟ الإنسان إذا أردت أن تميته جوعا يستهلك كل عضلاته إلا عضلة القلب ضمانا لسلامته.
بل إن في مخزون الإنسان الغذائي مخزونا لا يستهلك إلا عند المجاعات، الإنسان يجوع، ما معنى أنك جائع؟ يعني أن مخزونك في الكبد نقص، المخزون الغذائي في الكبد لا في الشرايين فلو فحصت دم إنسان جائع لوجدت النسب كلها نظامية في دمه، ولكن المخزون في الكبد هو الذي نقص، هذا كله من أجل سلامة الإنسان وهذا معنى "ذو السلامة".
شيء آخر، الإنسان حينما ينام، وزن جسمه الذي فوق عظمه يضغط على العضلات التي تحت العظم هذا الضغط يسبب ضيقا في الأوعية وفي التروية، أودع الله في الإنسان مراكز تتنبه بالضغط فإذا تنبهت هذه المراكز لضغط الجسم عليها ولضيق الأوردة والشرايين وضعف التروية، فالدماغ عندئذ يأمر الجسم وأنت نائم بالتقليب من شق إلى شق وهذا معنى قوله تعالى: }وَتَحْسَبُهُمْ أَيْقَاظاً وَهُمْ رُقُودٌ وَنُقَلِّبُهُمْ ذَاتَ الْيَمِينِوَذَاتَ الشِّمَالِ وَكَلْبُهُم بَاسِطٌ ذِرَاعَيْهِ بِالْوَصِيدِ لَوِاطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَاراً وَلَمُلِئْتَ مِنْهُمْرُعْباً{[الكهف: 18].
والتقليب ذات اليمين وذات الشمال، مرة إلى اليمين ومرة إلى الشمال لئلا تقع من على السرير، هذا من أجل سلامتك.
في فمك وأنت نائم لعاب، فهذا اللعاب في الفم إذا ازداد أعطى تنبيها للدماغ والدماغ بدوره يأمر البلعوم فيغلق طريق القصبة الهوائية، ويفتح طريق المعدة فيتسرب هذا اللعاب إلى المعدة، وأنت نائم، هذا من اسم الله السلام.
فمثلا إن الله عز وجل جعل أخطر عضو عندك هو "الدماغ" أين وضعه؟ في الجمجمة، ماذا جعل فيه؟ أغشية بعضها فوق بعض، وماذا جعل بين الدماغ وبين عظام الجمجمة؟ جعل سائلا، ما وظيفة هذا السائل؟ هذا السائل يمتص الصدمات، إذا تلقى إنسان ضربة على رأسه أو وقع على جمجمته، وإذا فسرنا الضربة بارتجاج في السائل، فهذه الضربة أو هذا الضغط يوزع على سطح السائل كله، فإذا أثر الضرب لا يتجاوز عشر الميليمتر فلا يتأثر الدماغ كثيرا، فالله جعل الدماغ في صندوق محكم وجعل الصندوق له مفاصل ثابتة، هذه المفاصل الثابتة تمتص بعض الصدمات، لولا هذه المفاصل المتعرجة والمتداخلة لانكسرت جمجمة الإنسان لأقل ضربة، أما هذه المفاصل فإنها تتمفصل تمفصلاً متكيفاً مع شدة الضربة، فكلما تعرضت الجمجمة لصدمة تتداخل العظام بعضها مع بعض، ثم تعود لمكانها، هذا من أجل سلامتك.
أين جعل النخاع الشوكي، وهو أخطر شيء في الإنسان؟ في العمود الفقري.
أين جعل القلب؟ في القفص الصدري.
أين جعل الرحم؟ في الحوض: }ثُمَّ جَعَلْنَاهُ نُطْفَةً فِي قَرَارٍ مَّكِينٍ{[المؤمنون: 13].الرحم يقع في الوسط الهندسي تماما من جسم المرأة.
أين جعلت معامل كريات الدم الحمراء وهي أخطر معامل في جسم الإنسان؟ في نِقْيِ العظام، أترون كيف هي السلامة؟!.
أين وضعت العين؟ في المحجر، العين جعل لها محجراً يقيها الصدمات ولو تلقى الإنسان ضربة على وجهه فالضربة لا تصل إلى العين، لأنها في حصن في كوة المحجر، فالعين في المحجر والدماغ في الجمجمة والنخاع الشوكي في العمود الفقري والقلب في القفص الصدري ومعامل كريات الدم الحمراء فيِ ْنِقي العظام والرحم في الحوض، ما هذا الإحكام البديع؟ إنه عمل صانع بديع الصنع.
لماذا جعل الله عز وجل أنف الصغير الرضيع غضروفيا قاسيا؟ لئلا يتطامن (ينحني فيغلق) فيختنق الطفل في أثناء الرضاعة، كلما كبر الطفل أصبح هذا الغضروف لينا، هذا من حكمة الله عز وجل.
هذا الرحم إذا تقلص فتقلصه من أجل سلامة المرأة فماذا يحصل؟ يتقلص تقلصا لطيفا. هذا هو الطلق، فإذا خرج الطفل إلى خارج الرحم تقلص الرحم تقلصا حادا قاسيا، لماذا؟ قيل: لأن الطفل حينما خرج من الرحم تقطعت عشرات ألوف الأوعية الشعرية فلو تقلص تقلصا لينا لماتت الأم من النزيف، والطبيب المشرف على الولادة أو القابلة يجس أحدهما الرحم فإذا كان صلبا صخريا تعد الولادة سليمة، ولو أن هذين التقلصين عكسا لماتت الأم ولمات وليدها، لو جاء التقلص عنيفا لاختنق الوليد ولو جاء رخوا لماتت الأم، فمن أجل سلامة الأم وسلامة وليدها كان التقلص الأول لينا متزامنا متسارعا والتقلص الثاني عنيفا حادا قاسيا من أجل سلامة المرأة ووليدها.
والله لو بقينا ساعات كثيرة، أياما عديدة وأشهراً مديدة وسنوات طويلة، لما انتهينا من اسم الله "السلام" إذا أردنا أن نأخذ مدلولاته من خلق الإنسان ومن خلق الحيوان، ومن خلق النبات.
هذه الحوينات، أحد إخواننا الأطباء جزاه الله خيرا ذكر لي أن هذا الحوين الذي خلقه الله في الخصيتين، يتم خلقه خلال ثمانية عشر يوما هذا الحوين يخزن في الخصيتين وتعطل فاعليته، فإذا خرج ليستقر في الرحم فحالما يبدأ بالانطلاق من مكان مخزنه تبدأ فاعليته، ولولا هذه الصفة لكان كل الرجال عقيمين، يأتي العقم لأن هذا الحيوان له عمر وعمره عشر ساعات فإذا صنع في الخصيتين ولم يستهلك يموت، إذاً يُصنع ويتم صنعه ويُخزن وتُعطل فاعليته فإذا انطلق من تخزينه ليستقر في الرحم بدأت فاعليته وعاش عشر ساعات إلى أن يستقر في البويضة، هذا إبداع من؟ إبداع الله عز وجل "السلام".
فأنا أتمنى أيها القارئ الكريم وقد دخلنا في شرح أسماء الله الحسنى أتمنى أن ننحو في فهم هذه الأسماء منحى يوازي التعاريف النظرية والشواهد العملية، وأن نفكر تفكيرا ذاتيا حرا في بعض مظاهر خلق الإنسان وخلق الحيوان وخلق النبات.
هذه الشجرة التي عمرها خمسون سنة وأنت تأكل منها زيتوناً كل سنة لها إبداع، إبداعها أنك إذا غبت عنها وليس هناك مطر في السماء تستهلك ماء أوراقها، فإذا استهلكت ماء أوراقها كأنها تقول لك: يا صاحبي أنا عطشى فأوراقها ذبلت، فإذا ترك أحدنا شجرة دون سقي فأول ماء تستهلكه ماء أوراقها فتجد الأوراق قد ذبلت، فإذا لم تسق فإنها تستهلك ماء أغصانها فإذا لم تسق تستهلك ماء فروعها فإذا لم تسق تستهلك ماء جذعها، فإن لم تسق تستهلك ماء جذورها وهذا آخر ماء تستهلكه، ثم تغدو حطبا للإحراق.
لو أن الأمر عكس في تلك الشجرة وتركت الشجرة دون سقي مدة أسبوعين لماتت، لأنها بدأت باستهلاك ماء الجذر ويبس الجذر ومن ثم ماتت الشجرة، إذا من جعل هذه الشجرة تستهلك ماء أوراقها أولا من أجل أن تبادر إلى سقايتها؟ هذا خلق الله للشجرة إنه "السلام".
هذا النسغ الصاعد. هناك أوعية صاعدة وأوعية هابطة في الشجرة، فحينما تنمو هذه الشجرة تنمو عرضيا وربما ضيق نموها العرضي من سعة أوعيتها، لذلك هذه الأوعية ذات الخطورة البالغة للشجرة مدعمة بألياف حلزونية لئلا ينمو القشر ولحاء الشجرة على حسابه، من أبدع هذا؟ الله سبحانه وتعالى.
هذه البذرة التي جعلها الله عز وجل آية تقاوم الموت سنوات وسنوات، فمثلا أخذوا قمحاً من الأهرامات مضت عليه حقب مديدة وزرعوه فنبت، بذرة القمح كائن حي فيها رُشيم، يعيش هذا الرشيم ستة آلاف عام تقريبا زرعت هذه البذور فأنبتت، الذي أراه أن أي شيء في الكون من النبات إلى الحيوان إلى الإنسان من تدبير "السلام".
ثم إن الماء آية صارخة: فإذا جمد الماء وزادت كثافته غاصَ في أعماق البحار وانتهت الحياة من على سطح الأرض، لكن الماء هو العنصر الوحيد في الكون الذي إذا بردناه قلت كثافته وزاد حجمه فَطَفا، لو أنه انعكس الأمر، لأصبحت البحار كلها متجمدة ولانعدمَ البخر، وانعدم المطر ومات الزرع ومات الحيوان وتبعه الإنسان، هناك خاصة واحدة ألفت النظر إليها: ائت بالماء وبرده فينكمش إلى أربع درجات مئوية فوق الصفر، وبعدها تنعكس الآية ويزداد حجمه، هذا من اسم السلام من أجل سلامتنا، وحينما يزداد حجم الماء يفتت التربة فالتربة أساسها صخري وبهذا الماء أصبحت مفتتة إذاً فاقرأ معي قوله تعالى: }وَالسَّمَاء ذَاتِ الرَّجْعِ، وَالْأَرْضِ ذَاتِ الصَّدْعِ{[الطارق: 11ـ12].
إذاً فازدياد حجم الماء عند التبريد هو الذي جعل الصخر ترابا من أجل سلامة الحياة، فإذا أردنا أن نعرف أسماء الله الحسنى من هذا المنحى من هذا الطريق فهو طريق رائع جدا وواسع جدا وفي متناول كل إنسان، وأي واحد بإمكانه بدءاً من كأس الماء إلى رغيف الخبز إلى أعضائه وأجهزته وخلاياه وأنسجته عليه أن يعرف أن اسم الله "السلام" واضح في خلقه بل في طعامه وشرابه، ربنا عز وجل قال: }الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقاً مَّا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِمِن تَفَاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرَى مِن فُطُورٍ{[الملك: 3].
فكل خلقه متقن: (إنا كل شيء خلقناه بقدر) وقال سبحانه:
}قَالَ فَمَن رَّبُّكُمَا يَا مُوسَى، قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى{[طه: 49ـ50].
هجرة الطيور سنويا تتم من أجل سلامتها، تقطع الطيور سبعة عشر ألف كيلو متر، تطير بعض أنواع الطيور ستاً وثمانين ساعة دون توقف، هل في الأرض كلها طائرة بإمكانها أن تطير ستاً وثمانين ساعة من دون أن تتزود بالوقود؟ غير ممكن (أعطى كل شيء خلقه ثم هدى).
ذكرت بعض الأمثلة، بعضها من خلق الإنسان وبعضها من خلق النبات وبعضها من خلق الحيوان، السمكة زودها الله بجهاز تعرف فيه أين هي من سطح الماء، فإذا أمسكت سمكة وجدت في ثلثها الأعلى أنبوبا تحت الحراشف هذا الأنبوب مفرغ من الهواء. هي في أعماق البحر كلما هبطت نحو الأسفل ازداد الضغط على هذا الخط، وهكذا جهاز الضغط في كل الغواصات، كل سمكة جهزها الله بجهاز ضغط، تعرف أين هي من سطح الماء كلما نزلت تعرف عمق ما وصلت إليه من أجل سلامتها.
انظر إلى كل الحيوانات الأهلية التي هي من حولنا ترى أن سلامتها عجيبة هذا كله من اسم السلام.
إذاً إما أنه سلمت ذاته من العيب وسلمت صفاته من النقص وسلمت أفعاله من الشر أو أنه ذو سلامة لخلقه، فليس في الوجود كله سلامة إلا وهي معزوة إليه أو سَلِمَ المؤمنون من عذابه أو هو ذو سلامة على أوليائه.
}قُلِ الْحَمْدُ لِلَّهِ وَسَلَامٌ عَلَى عِبَادِهِ الَّذِينَ اصْطَفَى{[النمل: 59].
سلمت ذاته وسلم خلقه من كل أذى ومن كل ضرر.
العلماء قالوا: إن سلامة ذاته من العيوب والآفات يعني أن هذا الاسم من صفات التنزيه وسلامه على أوليائه فهذا الاسم من أسماء الذات فإن أعطى السلامة للمؤمنين فهذا من أسماء الأفعال، وسلامه إذاً إما من صفات التنزيه وإما من صفات الذات وإما من صفات الأفعال.
ومن معاني هذا الاسم أن ذكر الله عز وجل يورث الأمن والطمأنينة والسلامة والدليل قوله تعالى: }أَلاَ بِذِكْرِاللّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ{[الرعد: 28].
في القلب وحشة، في القلب خوف، في القلب قلق لا يسكن هذا القلق ولا تسكن هذه الوحشة ولا يأنس القلب إلا بذكر الله، وأنا أهمس في آذان القراء الأعزاء بهذه الكلمة: ابحثوا عن كل شيء، وفي كل شيء، فليس في الأرض كلها شيء يمنحكم سعادة إلا أن تذكروا الله، روي في الحديث:
"إن هذه القلوب تصدأ كما يصدأ الحديد، إذا أصابه الماء، قيل: يا رسول الله! وما جلاؤها؟! قال: كثرة ذكر الموت وتلاوة القرآن" [البيهقي في شعب الإيمان من حديث ابن عمر].
إذاً من أسماء الله السلام إنك إذا ذكرته شعرت بالسلام، إنك إذا ذكرته زال عنك الخوف، إنك إذا ذكرته زالت عنك الوحشة، إنك إذا ذكرته أنست به، إنك إذا ذكرته اطمأننت إليه.
البعيدون عن الله عز وجل يأكل قلوبهم الخوف، يختل توازنهم ينسحقون لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به عليهم سلطاناً فألقى الله في قلوبهم الرعب، أما علامة المؤمن فهو مطمئن.
إذاً أعود وأكرر أن من أسماء الله "السلام إذا ذكرته يمنحك السلام، إذا ذكرته يمنحك الاطمئنان، إذا ذكرته تشعر بالقرب منه إذا ذكرته تشعر أنه يدافع عنك وأنك في رعايته وفي حفظه وفي تأييده وفي توفيقه.
من معاني اسم "السلام" أنك إذا اتصلت بالله عز وجل طهرت نفسك من العيوب وهنا ندخل في معانٍ دقيقة، وأول معنى أنّ ذاته جل جلاله تنزهت عن كل عيب وصفاته تنزهت عن كل نقص وأفعاله تنزهت عن كل شر، أي شر؟ أعني الشر المطلق أما الشر الهادف؟ فهذا علاج والعلاج دائما مر، من المعاني الأخرى: أنه ذو سلامة أي: يمنح السلامة لعباده إما في خلقهم كما تحدثنا قبل قليل وإما في نفوسهم فذكر الله يورث الأمن والطمأنينة والسلامة.
وبعد فالاتصال بالله ينقي النفس من عيوبها من البخل من الشح من الحقد من الضغينة من الحسد من الكبر هذه الصفات الذميمة التي يشقى بها الإنسان فإذا اتصلْتَ بالله عز وجل تتنزه أنت عنها، إذاً هو ذو سلام في جسمك أعطاك أعضاء وأجهزة وأعطاك خلايا وأنسجة ودقة بالغة في جهازك العظمي والعصبي والعضلي والدوران والشرايين والأوردة وإذا كنت خائفا وذكرته بث في قلبك السلام فإذا اتصلت به طهرك من كل العيوب والآثام، وجعلك طاهر النفس بفضل اسم السلام.
إذاً في تجارتك يهديك سبل السلام وفي زواجك يهديك سبل السلام وفي علاقاتك بجيرانك يهديك سبل السلام هذا معنى السلام، فأنت إذا طبقت أمر القرآن الكريم واجتنبت نهيه أوصلك في كل موضوع وفي كل شأن إلى السلام والله يدعو إلى دار السلام وهي الجنة، فالسلام مريح جدا فإنك تعيش في طمأنينة وتعيش براحة وتحس أن الله خالق الكون معك لا يتخلى عنك ولا يسلمك إلى عدوك يدافع عنك ويحفظك ويؤيدك وينصرك فقد قطفت الثمار يانعة بعد أن دفعت الثمن قال تعالى: }وَلَقَدْ أَخَذَ اللّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنهُمُاثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً وَقَالَ اللّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُالصَّلاَةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنتُم بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْوَأَقْرَضْتُمُ اللّهَ قَرْضاً حَسَناً لَّأُكَفِّرَنَّ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْوَلأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ فَمَن كَفَرَبَعْدَ ذَلِكَ مِنكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاء السَّبِيلِ{[المائدة: 12].
إذاً من معاني السلام أن ذكر الله يورث الأمن والسلام من معاني السلام أن الاتصال بالله عز وجل يكسب السلامة من العيوب والنقائص والأدران ويحول دون الحماقات والحقد والحسد والضغينة والعلو في الأرض والكبر. فهذه الصفات الذميمة المهلكة إذا اتصلْتَ بالله عز وجل نقّاك منها.
ومن معاني السلام أيضا أنك إذا طبقت شرعه يهديك سبل السلام كقوله تعالى: }إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ{[الإسراء: 9].
أي: إذا طبقت الشرع يعطيك السلامة في الدنيا، وإذا أقبلت على الله يعطيك سلامة النفس، وإذا أطعته في كل مناحي حياتك يعطيك سلامة الآخرة، قال الله تعالى: }هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ{[الحشر: 23].
تصاحب أحيانا شخصاً شريراً أو تشاركه في بعض أعمالك فيدمر حياتك، وقد يتزوج إنسان امرأة شريرة فتنتهي به إلى دمار.
وفي هذا السياق حدثني شخص فقال: إنه رأى امرأة في الملهى فأعجبته فتزوجها، بعد أن تزوجها نشب خلاف بينه وبينها فهي ليست منضبطة، قلت ألومه: من أين أخذتها؟ من أين تزوجتها؟ ثم ذهبت إلى بيت أهلها، استرضاها فلما استرضاها أبت إلا أن تسجل عليه مبلغ مئة ألف ليرة لترجع إليه، رجعت إليه شكلا وأقامت عليه دعوى، واتفقت مع المُبَلِّغ، وأخذت التبليغ من مبلغ المحكمة ولم تبلغه لزوجها ومضت مدة الدعوى وأصبح الحكم قطعيا، ثم سيق الزوج إلى السجن بتهمة التخلف عن دفع المهر المقدم، هكذا مجريات القضاء، فلما علم ذلك حاول قتلها وقتل أمها وأختها في ليلة واحدة وقتل نفسه، إصابتهم لم تكن قاتلة أخذوا للمستشفى ونَجَوّنَ ثلاثتهن من الموت الأم وابنتها وأختها أما هو فأمسى تحت الثرى، فليس للإنسان سلام إذا تزوج امرأة أعجبته ومنبتها خضراء الدمن وهذه قصة واقعية حدثت في دمشق قبل فترة وجيزة.
أما إذا التزم أحدنا شرع الله عز وجل فإنه سبحانه يبارك له في زواجه وفي عمله وفي رزقه وفي صحته وفي أولاده فيهديهم سبل السلام.
}إِنَّ هَـذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ{[الإسراء: 9].
}فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَايَشْقَى{[طه: 123].
يجب عليك أن تعرف أن السلامة كلها في أن تكون مع الله، السلامة كلها في أن تكون وفق أمر الله. السلامة كلها في معرفة الله السلامة كلها في عبادته السلامة كلها في فهم كتابه السلامة كلها في تنفيذ شرعه السلامة كلها في الالتزام بما أمر واجتناب ما عنه نهى.
وبعد فقد وردت كلمة السلام في القرآن بمعنى آخر قال الله تعالى: }وَاللّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ{[يونس: 25]
فما هي دار السلام؟ إنها الجنة فليس فيها نغص ولا حسد ولا يطاردك فيها مرض أو قلق ولا يعتريك فيها خوف أو منازعة من أحد ولا حروب فيها ولا اضطهاد ليس فيها من هذا كله شيء البتة.
}وَاللّهُ يَدْعُوا إِلَى دَارِ السَّلاَمِ وَيَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍمُّسْتَقِيمٍ، لِّلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ{ [يونس: 25ـ26].
هذه إذا دار السلام، نعم الثواب، وحسنت مرتفقا.
كذلك فإن السلام ورد في آية أخرى قال سبحانه: }وَأَمَّا إِن كَانَ مِنَ أَصْحَابِ الْيَمِينِ، فَسَلَامٌ لَّكَ مِنْ أَصْحَابِ الْيَمِينِ{[الواقعة: 90ـ91]
فالله سبحانه وتعالى يخبرك عن سلامة أصحاب اليمين، إنهم، يقولون: الصحة جيدة والسعادة كبرى، فهم في سلام وهم في الجنة حيث النعيم المقيم.
وورد أيضا في قوله تعالى:
}وَسَلَامٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً{[مريم: 15].
قال سفيان بن عيينة –رحمه الله تعالى-: أوحش ما يكون المرء في ثلاثة مواطن، "يوم يولد". فقد كان في الرحم مسروراً ومستريحاً من المتاعب والمشكلات وخرج إلى الدنيا، أنه انتقل من مكان ضيق إلى مكان واسع غير مألوف لديه.
يوم يموت" ويدع كل شيء زوجته وأولاده وبيته وغرفة نومه ومكتبته ومركبته ومحله التجاري وقد كان لديه يوم في الأسبوع يجتمع فيه مع أصحابه وأصدقائه وكانت له رغباته وميوله فلما توقف قلبه نقلوه إلى القبر، وهذا خروج بلا عودة .
هو الذي زين البيت واعتنى بترتيبه وله فيه مكتبته وغرفته الخاصة يضع فيها حاجاته الشخصية وبعض الهدايا المهداة إليه يتمنى أهله أن يفتحوا درجه فلا يسمح لهم في حياته لكنه عندما أسلم الأمانة فتحوا الدرج الذي كان محظورا عليهم مسه، وأخذوا السيارة والمحل التجاري وباعوا واشتروا ثم نسوه بعد حين وهكذا تجري الوقائع هذا يوم يموت.
وأما "يوم يبعث حيا".
قالت عائشة رضي الله عنها: ذكرت النار فبكيت فهل تذكرون أهليكم يوم القيامة؟
فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أما في ثلاثة مواطن فلا يذكر أحد أحدا: عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أو يثقل وعند الكتاب حين يقال: (هاؤم اقرءوا كتابيه) حتى يعلم أين يقع كتابه أفي يمينه أم في شماله أم من وراء ظهره؟ وعند الصراط إذا وضع بين ظهري جهنم" [رواه أبو داود في كتاب السنة]
فهناك تقع عين الأم على ابنها فتقول له: يا ولدي ألم أجعل لك بطني وعاء وصدري سقاء وحجري وطاء فهل من حسنة يعود عليَّ خيرُها؟ يقول: آه يا أماه إنني أشكو مما أنت منه تشكين.
سيدنا يحيى: وسلام عليه يوم ولد، فكان أصعب يوم لديه ومثل ذلك ويوم يموت ويوم يبعث حيا. فأمّنه الله تعالى إذ قال: وسلام عليه.
وبعد، فما واجب المؤمن بالنسبة لهذا الاسم؟ وإنك لتعلم أن المؤمن الحق من سلم من المخالفات الشرعية سرا وعلنا، وبرئ من العيوب ظاهرا وباطنا فواجبه أن يكون سلاما لغيره، قال الله عز وجل: }وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ{[الأنعام: 120].
ومن كان سليما من الذنوب بريئا من العيوب بلغ غاية السلام والسلامة ولتكن علاقاتنا على هذا النحو باسم السلام، ليتحقق لنا معنى الآية الكريمة:
}يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ، إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ{[الشعراء: 88ـ89].
القلب السليم هو القلب البريء من الشك والشرك، أما من يكون قلبه مؤرجحا فأمره إلى بوار...
زعم المنجم والطبيب كلاهما لا تحشر الأجساد قلت: إليكما
إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالخسار عليكما
ونضرع إلى الله أن تكون أمورنا كلها صوابا، وأما قول أبي العلاء المعري هذا فليس إيماناً وإنما هو ارتياب وشك:
}إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْيَرْتَابُوا{[الحجرات: 15].
فالسليم من برئ قلبه من الشك والشرك ومن النفاق والشقاق والرياء والمداهنة ومن سلمت نفسه من الشهوات وسلم عقله من الشبهات، فلا شبهات في عقله ولا شهوات في نفسه وألقى الشك والشرك والنفاق والشقاق والرياء والمداهنة جانباً بل جعلها تحت قدميه.
وبعد فهذا واجب المؤمن نحو ربه من حيث اسم السلام، أما حقه على الله فهذه أهم نقطة في البحث.
لقد آمنت وفكرت في الكون وتعرفت إليه واستقمت على أمر الله وحضرت مجالس علم وضبطت شهواتك وضبطت جوارحك وغضضت من بصرك عن محارم الله نزهت أذنك عن سماع الغناء لم تختلط مع النساء الأجنبيات كنت ملتزماً ولم تخالف الشرع فما لك عند الله بعد فاسمع راشدا ما قال العلماء في هذا الموضوع، لقد قالوا:
أي عبد طبق أمر الله عز وجل وأقبل عليه فحق المؤمن على الله أن يسلّمه. من ماذا؟ قالوا: أن يسلمه في الدنيا من المؤذيات وأن ينيله ما فيها من الخيرات.
فالمؤمن زوجته صالحة، أولاده أبرار، رزقه في بلده سمعته طيبة نظيفة وأخلاقه عالية محمود السيرة ومحبوب هذه كلها من ثمرات الاستقامة، والله عز وجل اسمه السلام يسلمك من المؤذيات ويمنحك الخيرات وهذه سلامة الدنيا.
فما سلامة الدين؟ يسلم عقلك من البدع والشبهات ويسلم قلبك من الهوى والشهوات، فلا تلتفت إلا إلى الله ثم إن المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده.
قال بعض العلماء: كيف يسلم الناس من لسانه ويده إذا هو لم يسلم من نفسه؟! فهو أسير نفسه وشهواته،إذا فهي دعوة لي ولك أن نقهر النفس وأن نتعالى على كل شهوة.

من موسوعة محمد راتب النابلسي

__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله
رد مع اقتباس
 
  #6  
قديم 03-02-2010, 14:48
الصورة الرمزية عبيدة اسعد
عبيدة اسعد عبيدة اسعد غير متواجد حالياً
الاعضاء
 
تاريخ التسجيل: Jan 2010
المشاركات: 29
افتراضي حول الرحمن الرحيم

بسم الله الرحمن الرحيم

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

بارك الله فيك يا أخي على هذا الموضوع ولكنني أحب أن أضيف إضافة لما كُتب، وأقول أن للعلماء في معنى الرحمن الرحيم أقوال عدة فبعضهم قال أن الرحمن للمؤمن والكافر والرحيم للمؤمن خاصة، وبعضهم ذهب إلى أن الرحمن تعني المنعم بجلائل النعم وأن الرحيم المنعم بدقائق النعم، وآخرون ذهبوا إلى نحو ما ذُكر في الموضوع أعلاه وهو أن الرحمن يشمل الدنيا والآخرة وأن الرجيم في الدنيا فقط.
هنا أجد نفسي واقفاً أمام هذه الآراء موقف الباحث عن الصواب منها، أما الرأي الأول والثاني فلا دليل له من القرآن أو السنة بل هو محض اجتهاد، أم الثالث فهو مبني على أساس خاطئ، فقد اعتمد قائلوه على قوله صلى الله عليه وسلم: {يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيم الدنيا} وهذه الرواية ضعيفة، أما الرواية الصحيحة فهي قوله صلى الله عليه وسلم: {يا رحمن الدنيا والآخرة ورحيمهما}، لذلك حتى نجد الرأي الصواب في هذه المسألة خاصة وأن النبي صلى الله عليهم وسلم لم يرد عنه شرح لمعناهما، علينا أن نرجع إلى اللغة في تحديد الفرق، وقبل ذلك يجب العلم بأن كل اسم من أسماء الله وصفة من صفاته مستقل بمعناه عن الآخر وإن اشترك معه في الأصل اللغوي، ولا يوجد اسمان لله عز وجل لهما دلالة واحدة، فالأصل اللفوي للرحمن والرحيم هو جذر -رحم- وهو أصل واحد لكن صيغة الاسمان مختلفة، فالرحمن على وزن فعلان والرحيم على فعيل، وصيغة فعلان تدل على الانتشار والاتساع، وصيغة فعيل تدل على الاستمرارية، وبهذا يكون معنى الرحمن: الذي وسعت رحمته كل شيء، والرحيم: الذي رحمته مستمرة أبدية لا تنقطع في وقت من الأوقات، فالرحمن الرحيم إذاً تعني: الذي وسعت رحمته كل شيء ومع وسعها وإحاطتها وشموليتها وعظمتها فهي دائمة لا تنقطع فهي رحمة متصلة بالله لأنها صفته.
هذا هو المعنى الذي رجحه بعض أهل العلم، وأسأل الله أن يكون هذا صائباً، وأسأله تعالى أن تعم الفائدة كل باحث في هذا الدين وكل مؤمن على الكرة الأرضية.

فائدة: قبل أن أختم أحب أن أذكر سبب ذكر الرحمن قبل الرحيم، والسر أن كلمة الرحمن هي مما يختص به الله تعالى وحده دون سائر خلقه بخلاف الرحيم، فيمكن أن تصف إنساناً بأنه رحيم لكن لا يمكن وصفه بأنه رحمن.
والله تعالى أعلى وأعلم
__________________
توقيعى !


ضع في يدي القيد ألهب أضلعي = بالسوط ضع عنقي على السكين
لن تستطيع حصار فكري ساعة = أو نزع إيماني ونور يقيني
فالنور في قلبي وقلي في يدي = ربي وربي ناصري ومعيني
سأعيش معتصماً بحبل عقيدتي = وأموت مبتسماً ليحيا ديني
رد مع اقتباس
 
  #7  
قديم 04-02-2010, 19:13
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255 المؤمن




المؤمن
"المؤمن": أن تؤمن بوجود الله عز وجل يعني أنك لم تفعل شيئاً، لأن الشيطان نفسه ماذا قال حينما خاطب الله عز وجل؟ قال: (ربِّ) وفي آية أخرى قال: (فبعزتك) فعبارة الشيطان تدل على إيمانه بالله، ومع ذلك فهو رأس الكفر كله، فأن تؤمن بوجود الله فقط دون أن تتعرف إلى وحدانيته، إلى ربوبيته، إلى أُلوهيته، إلى أسمائه الحسنى، إلى صفاته الفضلى، إلى مناحي عظمته ليس كافياً، أن تؤمن بالله خالقاً وكفى ليس كافياً، فإنَّ ربنا سبحانه وتعالى قال عن المشركين: }وَلَئِن سَأَلْتَهُم مَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ فَأَنَّى يُؤْفَكُونَ{[العنكبوت: 61].
فالمشركون إذا: يعترفون بأن الله خالق الكون ولكنهم يشركون بالله أولا وينكرون البعث ثانيا.
فمن لوازم الإيمان بالله، أن يتعرف الإنسان إلى أسماء الله الحسنى، فأحياناً قد تعرف أن فلاناً جارٌ لك وهذا غير كافٍ بل تحب أن تعرف عنه تفصيلات، كأن تعرف شيئاً عن مستوى علمه، وشيئاً عن أخلاقه، عن أعماله، عن تفوقه، هذا فيما بين الناس، فلا تكون المعرفة صحيحة إلا إذا تضمنت بعض التفاصيل مما يعطيك فكرة واضحة إنه من باب أولى أن يكون الإيمان بالله عز وجل أساسه معرفة أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى.
والحقيقة الملموسة، أنَّ الكون كله تجسيدُُ وإظهار لأسماء الله الحسنى، كل أسماء الله تبدو لك من خلال الكون، أما ذات الله عز وجل فلا نستطيع أن ندركها لقول الله عز وجل:
}لاَّ تُدْرِكُهُ الأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُالْخَبِيرُ{[الأنعام: 103].
أن ترى ذات الله أمر مستحيل، لكنك تستطيع أن تتعرف إلى ذاته من خلال خلقه، فالكون يدل على المكون، والنظام يدل على المنظم، والتسيير يدل على اُلمسِّير، والماء يدل على الغدير، والأقدام تدل على المسير، والبعر يدل على البعير، أَفَسماءٌ ذات أبراج، وأرض ذات فجاج، ألا تدلان على الحكيم الخبير؟
وبعد، لماذا يجب أن نعرف الله؟ كي نعبده، ولماذا نعبده؟ كي نسعد بقربه في الدنيا والآخرة لأن الله سبحانه وتعالى في الأصل خلقنا ليسعدنا ولا نسعد إلا به ولا نسعد إلا إذا كان عملنا طيباً، ولن يكون عملنا طيباً إلا إذا تعرفنا إلى عظمته حقيقة، لذلك قال ربنا عز وجل في وصف بَعْضِ أهل النار:
}إِنَّهُ كَانَ لَا يُؤْمِنُ بِاللَّهِ الْعَظِيمِ{[الحاقة: 33].
أي يجب أن تعرف عظمة الله، إن لم تعرف عظمة الله فلا بد من أن تخترق حدوده ولا بد من أن تتجاوز أوامره، أما إذا عرفت عظمة الله عز وجل عبدته.
فالقضية كلها تتلخص في أهمية أن تعرف من هو الله، كي تطيعه وتقبل عليه وترجو ما عنده، وتخاف وعيده، ولن تخاف وعيده ولن ترجو ما عنده ولن تقبل عليه ولن تسعى إليه ولن تستسلم لقضائه ولن ترضى بحكمه إلا إذا عرفته، إذا عرفته رضيت بقضائه ورأيت حكمةً ما بعدها حكمة، ورأيت علماً ورأيت رحمة ولطفاً وعطفاً وعدلاً، فكلما عرفته استسلمت له وأقبلت عليه وخضعت له وائتمرت بأمره وانتهيت عما نهى عنه، أقبلت على عبادته وخدمت عباده، فنحن يجب أن نعرف الله، أما أن يقال فقط: الله خالق الكون، فهذه معرفة بسيطة لا تقدم ولا تؤخر، وهذه المعرفة لا تحجزك عن محارم الله، هذه المعرفة في مجموعها لا تحملك على طاعة الله، فأن تقول: الله خالق الكون ولك مخالفات كثيرة، وأن تقول: الله خالق الكون ولك انحرافات عديدة، وأن تقول: الله خالق الكون ولك طموحات دنيوية مديدة، فهذه مغالطة صريحة، أمّا إذا عرفت من هو الله؟ وهذا هو الهدف من هذا البحث وأن تزداد معرفتنا بالله يوما بعد يوم، لأنه كلما ازدادت هذه المعرفة كلما ازداد الخشوع والطاعة والخوف والإقبال والاستسلام والرضا والانصياع والفداء والتضحية والإخلاص، أي: إن حجم عملك بحجم معرفتك وحجم سعادتك بحجم عملك أي أنَّ الدين كله يمكن أن يلخص بثلاث كلمات: معرفة، طاعة، سعادة، على قدر معرفتك تطيع الله عز وجل وعلى قدر طاعتك تسعد به.
إذاً هذه الأسماء الحسنى لا ينبغي أن نقف عند تعريفاتها الدقيقة فقط بل يجب أن نملك عشرات بل مئات بل ألوف الأدلة النابعة من الكون على هذه الأسماء، لذلك فمن علامة معرفتك بالله عز وجل أن ينطلق لسانك في الحديث عن أسمائه ساعات طويلة، حدَّثنا عن اسم اللطيف أو عن اسم الرحيم أو عن اسم الملك أو عن اسم القدوس أو عن اسم السلام، فالذي أرجوه وأتمناه أن يمارس المسلم بنفسه بحثاً ذاتياً وأن يكون له جولات في هذا الكون ليكتشف من هذا الكون الأدلة الناصعة على أسماء الله والأولى أن نبقى نجول في كل فترة أو في كل حين مع اسم من أسماء الله الحسنى.
وبعد فلننتقل من هذا البحث إلى اسم آخر من أسماء الله الحسنى، وهو المؤمن.
إن أي ملك من الملوك الأرض لا يرضى أن يلقب أحد أفراد رعيته بلقبه وهو من بني البشر يأكل كما نأكل ويشرب كما نشرب وينام كما ننام وله جسم ويعطش ويجوع و يغضب ويثور ويمرض ويموت فلا فرقَ بين الملك وبين أحد رعاياه من حيث التكوين الجسمي. ومع ذلك تأبى عزته ويَأبى كبرياؤه أن يلقب أحد من أفراد رعيته بلقبه، ولكن الله سبحانه وتعالى سمانا بعد أن عرفناه وطبقنا أمره سمانا مؤمنين والمؤمنون جمع مؤمن وسمى نفسه المؤمن وذلك بقوله تعالى:
}هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُالْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَاللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{[الحشر: 23].
لكن هذا الاسم يحتاج إلى وقفة، الله عز وجل مؤمن، ولكن مؤمن بماذا؟ نحن مؤمنون بالله، ونحن مؤمنون برسول الله صلى الله عليه وسلم، مؤمنون باليوم الآخر، فالله عز وجل مؤمن بماذا؟ قالوا: المؤمن اسم فاعل من فعل أمِنَ يأمن أمناً وأماناً، فعل "أمن" له معنيان:
المعنى الأول التصديق فعندما يقرأ الإمام سورة الفاتحة وعند انتهائه يقول المصلون جميعاً: آمين أي: يا رب نحن نصدق ما قال هذا الإمام ونحن معه، فإما من التصديق وإما من الأمن، فعل "أمن" إما من التصديق وهناك آية تؤكد ذلك قال تعالى:
}قَالُوا يَا أَبَانَا إِنَّا ذَهَبْنَا نَسْتَبِقُ وَتَرَكْنَا يُوسُفَ عِندَمَتَاعِنَا فَأَكَلَهُ الذِّئْبُ وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا وَلَوْ كُنَّاصَادِقِينَ{[يوسف: 17].
فقوله تعالى (وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا) هذا من التصديق، وإما من المعنى الآخر وهو الأمن قال تعالى:
}الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ{[قريش: 4].
فاسم الله تعالى المؤمن مأخوذ من التصديق أو من الأمن؟ وكيف نفهم هذا الاسم بالمعنى الأول؟
في الحقيقة: إن الإنسان قد يعرف ذاته وقد لا يعرف ذاته، فإذا لم يعرف ذاته وخاض في شيءٍ ولم يكن من مستواه يخسر خسارة كبيرة، نقول له: لو عرفت ما عندك لما دخلت في هذه الورطة، فهذا الذي يقدم على شيء ليس في مستواه ولا يعرف حقيقة ما عنده فهو يجهل حقيقة إمكاناته، ولا يعرف ذاته لكن هناك من يعرف ذاته حق المعرفة فتأتي الأفعال كلها وفق معرفته هذا مثل ضربته لكم لتوضيح الحقائق فمن أول معاني المؤمن أن الله سبحانه وتعالى يعرف ذاته ويعرف أسماءه ويعرف كل ما عنده وهذا المعنى أوَّل.
المعنى الثاني: أن الله سبحانه وتعالى يصدق رسله، بعث النبي محمداً صلى الله عليه وسلم رسولاً، صدقه أي: جعل الناس يصدقونه بالمعجزة، بعث موسى عليه السلام نبياً وصدقه، أي: جعل الناس يصدقونه بالمعجزة، أرسل سيدنا عيسى عليه السلام رسولاً فأعطاه معجزة كي يصدقه الناس بها، إذاً المعنى الثاني الصدق. أي كل شيء وعد الله به المؤمنين يأتي فعله مصداقاً لوعده، وعدك بالحياة الطيبة فإذا عشت الحياة الطيبة فقد َصَدَقك بمعنى أن فعله جاء مصداقاً لوعده، أن يأتي فعل الله عز وجل مصداقاً لوعده يصدق أنبياءه أي: يعطيهم الدلائل ويجعل الناس يصدقونهم يعطي المؤمن دلائل، أنت أيها الأخ الكريم تقرأ القرآن ما الذي يجعلك تتشبث وتتعلق وتتمسك به؟ لأن الأحداث التي تعيشها تأتي كلها مصدقة لهذا القرآن، إذا استقمت في البيع والشراء شعرت براحة ووفر الله لك دخلاً طيباً وساق الناس إليك وإذا كنت أميناً رفع الله اسمك بين الناس، فأي وعدٍ وَعَدَك الله به فإذا أنت نفذت ما أنت مأمور به تأتي الحوادث كلها لتصدق لك هذا الوعد أو لترى أن هذا الوعد صادقاً، فمن معاني المؤمن أنه يجعل أنبياءه مُصَدَّقين يدعمهم بالمعجزات يجعل قرآنه مُصَدَّقاً بمعنى أنك إذا آمنت به وعملت عملاً صالحاً أذاقك الحياة الطيبة، ما الذي جعلك تصدق كلامه؟ هذه الحياة الطيبة، المعيشة الضنك تجعلك تصدق بهذه الآية، إذا اهتديت بهدى الله عز وجل في كل مناحي حياتك ترى أن الحوادث كلها تصدق ما جاء به القرآن الكريم، إذاً الله عز وجل مؤمن أي: يجعل عباده مُصَدِّقين، لأن أفعال الله عز وجل كلها تأتي مصداقاً لوعده ولوعيده، قال: }إِنَّ اللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّكُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ{[الحج: 38].
لا بد من أن تشعر بأن هناك حالات كثيرة تواجهك فَيُقَيّضُ الله لك إنساناً لا تعرفه يدافع عنك بإلهام من الله عز وجل، وحينما يقول الله عز وجل:
}قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعاً بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّايَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَايَشْقَى{[طــه: 123].
تشعر أَنَّكَ مهتدٍ وأن لك رؤية صحيحة وأن لك بصيرة نافذة وأن تفسيرك للحوادث صحيح لأنك اتبعت أمر الله عز وجل فجاءت الحوادث مصداقاً لما قاله الله عز وجل.
وهذا معنى من معاني المؤمن، والحقيقة كما قلت قبل قليل: إن أروع ما في الدين أنه يعطيك تفسيراً للكون والحياة والإنسان، ومهما عشت ومهما تبدلت الظروف ومهما ظهرت معطيات جديدة ومهما ظهرت أحداث جديدة كلها ضمن تأويل الله عز وجل لهذا الكون والحياة والإنسان، فأنت حينما تقرأ القرآن لن تُفَاجَأ بحادث لم يرد معك في القرآن، فلو أَعطيْتَ تفسيراً لظاهرة من الظواهر قد تُفاجَأ بعد حين أن هناك حدثاً أبطل نظريتك، وما أكثر ما جاء العلم بنظريات ثم جاءت الحوادث فأبطلتها، أما إذا قرأت القرآن وهو من عند الله عز وجل لن يأتي حادث يكذب ما قرأت في القرآن، هذه نقطة دقيقة جداً فالقرآن جاء قبل أربعة عشر قرناً والعلم تطورَ تطوراً كبيراً جداً، ومعطيات القرآن صحيحة وثابتة منذ أن خلقت البشرية وإلى ما قبل خمسين عاماً في كفة ومنذ خمسين عاماً إلى الآن حدث تطور علمي رهيب جداً تجده في الكفة الأخرى، ومع كلِّ هذا التطور فليس في العلم حقيقة تخالف هذا القرآن.
معنى ذلك أنك إذا قرأت القرآن تطمئن، الأمور وحوادث الكون والمجرات والأنواء والنبات والحيوان والإنسان كل هذه الحركات تأتي مصدقة لكلام الله عز وجل، فالله مؤمن أي: كلامه يجعلك تصدقه لأن أفعاله تصدق كلامه، وهذا معنى من معاني المؤمن.
وإليك معنى آخر: هو أن الله سبحانه وتعالى يهب الأمن للإنسان، كيف؟ هنا المعنى الدقيق، فلو أن الحديد تارة يكون قاسياً وتارة يكون ليناً فإنك تُنْشِئُ البناء وأنت خائف، لعل هذا الحديد بعد حين يصبح ليناً فيتداعى البناء، لقد جعل الله للحديد خصائص ثابتة دائماً فإذا وضعت هذا الحديد مع الأسمنت وأَشَدْت البناء وسكنت في الطابق التاسع مثلا فإنك تنام مطمئنا، فما الذي جعلك تطمئن؟ ثبات صفات الحديد ولو أن صفات الحديد تبدلت لانهارَ البناء.
فيمكن أن نقول: ثبات خصائص المواد هو الذي يهب الأمن للناس، ثبات حركة الأرض هذا الجامع شُيد منذ سنوات عديدة فلو أن هناك اهتزازا في أثناء الدوران لكانت كل هذه الأبنية قابلة لأن تنقض وتنهار، فالأرض تتحرك بسرعة 30 كيلو مترا بالثانية وهناك سكون رهيب ومن أجل أن تعرف قيمة السكون الحركي يأتي الزلازل أحياناً على مدينة بأكملها ويصبح عاليها سافلها بثوانٍ قليلة، إذاً حركة الأرض مع سكونها واستقرارها جاءت مصداقاً لقوله تعالى: }أَمَّن جَعَلَ الْأَرْضَ قَرَاراً وَجَعَلَ خِلَالَهَا أَنْهَاراً وَجَعَلَلَهَا رَوَاسِيَ وَجَعَلَ بَيْنَ الْبَحْرَيْنِ حَاجِزاً أَإِلَهٌ مَّعَ اللَّهِبَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ{[النمل: 61].
أعطاك الأمان، واشتريت بيتاً في الطابق العاشر، وتعرف أنه بيت مستقر، أما لو كان هناك اهتزاز لانعدم الأمن، ثم إنك لو اشتريت بذوراً تنبت نوعاً من النبات، ولا تستقيم الحياة لو لم يكنْ في الأرض ثبات، وقمت بزراعة البطيخ مثلاً وكان الإنتاج بندورة لاختلطت الأمور وفسدت الحياة، فثبات البذور حيث كل بذر له خصائِصُهُ نِعمة ومِنّة وأمان.
هناك شيء آخر غير الثبات، فهناك آلاف الأنواع لكل نبات: هذا النوع إنتاجه مديد، وهذا النوع إنتاجه مبكر، وهذا النوع إنتاجه صناعي، وهذا النوع للنقل، وهذا للاستهلاك، وهذا للمائدة، أما هذا فإنه يقاوم أمراضا معينة .... فحتى البذر نفسه له خصائص والخصائص ثابتة، فما الذي يهبك الأمن وأنت تزرع؟ ثبات الخصائص.
إذاً يمكن أن نقول: إن ثبات خصائص المواد هو الذي يهب الإنسان الأمن، الشمس تشرق دائماً من الشرق فليس في شروقها مفاجآت وليس لها دعاء شروق، يا رب الشمس لم تظهر اليوم أظهرها لنا! طمأنك، الشمس دائماً تشرق ودائماً تغيب والأرض دائماً تدور ويكفي أن تأخذ ورقة من التقويم وأن تقرأ: الفجر الساعة الخامسة وثماني عشرةَ دقيقة والشمس تشرق الساعة السادسة وثلاثين دقيقة، هذه الحقيقة في التقويم منذ متى؟ منذ خمسة وستين عاماً ولمئة سنة قادمة ولألف سنة قادمة ولمئة ألف سنة قادمة إلى أن تنتهي الدنيا، دقة ما بعدها دقة على مستوى الدقائق والثواني.
أرض بأكملها تدور حول الشمس وهناك نجوم تضبط عليها الساعات الشهيرة في العالم "بيغ بن" يقول القائل: ضبطت ساعتي على ساعة "بيغ بن"، فإذا كانت هذه الساعات التي في أيدينا تضبطها على هذه الساعة الشهيرة "بيغ بن"، لكن هذه الساعة الشهيرة كيف تضبطها؟ تضبط على حركة المجرة.
إذاً ثبات الدوران، ثبات السرعة، ثبات الحركة، ثبات الزاوية، هذا يعطي الإنسان النظام الثابت يجعل فيه الأمن، إذاً من الممكن أن نقول: صفات المواد الحديدية ثابتة، شخص اشترى سواراً ذهبياً ودفع ثمنه عشرين ألفاً، بعد فترة تبدل نوع المعدن أصبح معدنا خسيسا، والله هذه مشكلة، لكن الذهب ذهب على الدوام، ومثله في الثبات الحديد حديد والفضة فضة والقصدير قصدير والألمنيوم ألمنيوم، ثبات صفات المعادن هذه تهب الأمن للإنسان وهذه نعمة لا نعرفها نحن لأنها مألوفة، لذلك يقولون: شدة القرب حجاب، لأن هذه النعمة مألوفة جداً كأنها لم تكن مع أنها نعمة عظيمة.
من أسماء الله عز وجل "المؤمن" فهو "المؤمن" إذا قرأت كتابه جاءت الحوادث كلها مصداقاً لكلامه ومؤمن يهب الأمن للإنسان عن طريق ثبات صفات المواد.
ثبات الأنظمة، قانون الحركة ثابتة، التمدد ثابت، قوانين الجسم كذلك ثابتة، فأنت تجد طبيباً في آخر الدنيا يصنع دواءً يستعمل في طرف آخر من أطراف الدنيا هذا الدواء يؤثر في الجسد حيثما كان ما معنى ذلك؟ أي: إن كل أجساد بني آدم من بنية واحدة، فهناك أمن وأمان. مثلا القلب؛ تجد طبيباً ذهب إلى أمريكا درس عن القلب، فلو ذهب إلى إفريقية إلى آسيا إلى أستراليا إلى أوروبة إلى أي مكان في العالم وفتح قلباً وجد شرايينه وأعصابه ومراكزه الكهربائية كلها بدقة تامة، هذا الثبات يكفي أن تُشَرِّح إنساناً واحداً فكل إنسان إذا عالجته تكون بنيته وأعصابه وأوردته وشرايينه وعضلاته وفق هذا الأنموذج، ومع هذا أيضاً ثباتُ الأنظمةِ وثباتُ خصائصِ المواد، فأحياناً يجعل الله عز وجل للمواد مضادات، فالنار محرقة والماء يُطفئ النار، أي: أعطاك لكل شيء خطرَ ما يقضي على خطره، وهذا يطرد في كل شيء، في الأدوية –مثلا- هناك وباء نباتي فله أدوية بإمكانها أن تقضي على هذا العنكبوت أو على هذا الفطر أو على هذه الحشرة، فالله عز وجل من أسمائه المؤمن لأنه يهب الأمن للإنسان.
الألم سماه العلماء جهاز إنذار مبكر، فالإنسان يتلف سنه جزئياً فيتألم ألماً شديداً فيذهب إلى الطبيب فيصون هذه السن، لو لم يكن هناك عصب يصاب لما أحس الإنسان بالألم، ولما كانت هناك وقاية لهذا السن، إذاً الألم من أجهزة الإنذار المبكر. فكل خطر من أخطار الدنيا جعل الله له وقاية.
إذا استعان الإنسان بالله عز وجل يقيه من زلات المعاصي لقوله تعالى:
}إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ{ [الفاتحة: 5].
لذلك قال وهيب بن الورد: "والله لو أن السماء من نحاس والأرض من رصاص واهتممت برزقي لظننت أني مشرك"، والحقيقة لو أردت أن ترى الفرق الجوهري بين حياة المؤمن وحياة غير المؤمن، لوجدت أن الصفة الأساسية المميزة الأمن قال تعالى:
}وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمبِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَاناً فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِأَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{[الأنعام: 81].
تجد قلوبَ أهل الدنيا فارغة، عرضة للمخاوف، عرضة للمقلقات، عرضة للذعر، لتوقع المصيبة، لكن ربنا عز وجل إذا آمنت به ملأ قلبك اطمئنانا، ملأ قلبك استقراراً، ملأ قلبك رضا بقضائه، ملأ قلبك معرفة بكماله، هذا كله من أسماء المؤمن.
وهناك أمر آخر: كيف تأمن عذاب الله في الآخرة؟ لقد أعطاك الكون وأعطاك العقل وأعطاك الفطرة وأعطاك الشهوة وأعطاك الاختيار وأعطاك القوة وهذه كلها مقومات النجاة في الآخرة، تشعر أن الله عز وجل إذا أقبلت عليه تأمن القلق وتأمن المرض وتأمن الضيق وتأمن التعب وتأمن الخوف فالله سبحانه وتعالى مصدر أمنٍ وأمانٍ للبشر، بعض الجهات تُقْلِقك ولكن من شأن اسم الله المؤمن، أنك إذا فوضت أمرك إليه، واتبعت أمره ونهيه فأنت في أمن وسلام فهذا المعنى الذي يليق بالله عز وجل فيما يتعلق بالمؤمن.
عن الأحنف بن قيس أنه قال: قال الخليل بن أحمد: "الناس أربعة: رجل يدري ويدري أنه يدري فذاك عالم فخذوا عنه ورجل يدري وهو لا يدري أنه يدري فذاك ناس فذكروه. ورجل لا يدري وهو يدري أنه يدري فذاك طالب فعلموه ورجل لا يدري وهو لا يدري أنه لا يدري فذاك أحمق فارفضوه".
أنا أختار منهم من يدري ويدري أنه يدري، أنّ اللهَ عز وجل مؤمن.
والمعنى الثاني من التصديق: أي شيء وعدك الله سبحانه وتعالى به في القرآن فزوال الكون أهون على الله من أن تأتي الأحداث مخالفة لما وعدك به، وعدك بالنصر والنصر واقع لا محالة، وعدك أن يدافع عنك، وعدك أن يحفظك، وعدك أن يرزقك، وعدك أن يطمئنك، وعدك بالأمن وعدك بالتمكين وعدك بتمكين دينك وعدك بالاستخلاف وعدك أن يكون معك.
المعنى الثالث: أنه يهب الأمن، وبشكل بسيط نذكر العين فإذا قدت مركبتك في النهار تشعر بأنك مطمئن لأن مدى الرؤية بعيد جدا، أما في الليل فيوجد الانبهار والأضواء فتشعر بقلق. فالقيادة في الليل يرافقها القلق وفيها مفاجآت فالضوء الموجود في المركبة لا يكشف كل شيء ومداه محدود فكلما كانت الرؤية أطول كان الأمن أكثر إذاً فالله سبحانه أعطاك العين كي ترى طريقك، كما أعطاك الأذن فإذا وجدت حركة في الليل فالأذن تكشفها. فالسمع المرهف أحد وسائل الأمان، العين إحدى وسائل الأمان، وكذلك الشم فإذا أصدر الطعام رائحة كريهة فمعنى هذا أن الطعام فاسد فجعل الأنف فوق الفم كي يحصل لك الأمن الغذائي، أعطاك يداً تدفع بها الضر، أعطاك رجلاً تنتقل بها من مكان إلى آخر هذه كلها لتحقق الأمن لك، وهذا معنى آخر من معاني المؤمن.
والحقيقة أننا بعد كل بحث لا بد من أن نسأل أنفسنا هذا السؤال، يا رب أنت المؤمن وأنا ما علاقتي بهذا الاسم؟ أنت المؤمن فكل الحوادث وكل الأفعال جاءت مصداقا لقرآنك شيء مريح لي ويؤكد علاقتي بالله المؤمن وهذا معنى أول.
والشيء الثاني وهبتني الأمن يا رب، وهبتنا الحواس، وهبتنا الأجهزة، ثبات خصائص المواد وثبات الأنظمة كلها وسائل أمان تؤكد سلامة علاقتي بالله المؤمن أيضا.
قال لي طبيب قلب: لو كان قلب إنسان نحو اليمين وقلب إنسان آخر نحو اليسار وقلب بمكان آخر لالتبست الأمور علينا، درس هذا الطبيب القلب بأمريكا، وعرف أن مكانه نحو اليسار، وعند إجراء العملية لأحد المرضى وجد القلب على اليمين هذه واقعة لم يدرسها لأنها شاذة! بينما للبشر كلهم َبِنْيَةٌ واحدة حتى على مستوى الأعصاب الدقيقة جدا وهذا يعطينا قدرا كبيرا من الأمن، وكما قلت قبل قليل عن الأرض: وإن دورتها حول نفسها وحول الشمس ثابت، شروقها وغروبها ثابت، لكن الأمطار لم يجعلها ثابتة بل جعلها متبدلة هذا من أجل ألا ننساه من أجل أن نصلي له من أجل أن نتوب إليه من ذنوبنا، ربنا عز وجل ثبت أشياء وحرك أشياء، ثبت دورة الأرض حول نفسها ودورتها حول الشمس وثبت الشروق والغروب وثبت القمر وثبت الأنظمة والبذور والخصائص والبنى هذه كلها ثبتها وجعل الرزق بيده، فجعل الرزق وسيلة كي تعود إليه وكي تقبل عليه وكي تتوب إليه من ذنبك هذا معنى جليل، جدير فهمه.
أنت مؤمن: فأول شيء يجب عليك أن تفعله أن تأتي أفعالك كلها مصداقا لأقوالك، فلا يليق بك أن يكون لديك ازدواجية، ولا أن يكون عندك شيء داخلي وشيء خارجي، وشيء تعتقده وشيء تقوله بعكسه، فهذا اهتزاز واضطراب في نفسك وسلوكك، وربنا عز وجل يقول:
}وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَسَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ{[الأنعام: 120].
ظاهرك الذي يطلع عليه الناس: أنك مستقيم، صلاة، صوم، حج، زكاة، لكن باطنك قد يكون: الحسد، الكبر، الحقد، الضغينة هذه كلها من بواطن الإثم، إذاً أنت مؤمن يجب أن يأتي عملك مصداقا لقولك بالضبط، يجب أن تكون موحداً، ليس لك ظاهر وباطن، وليس لك سريرة وعلانية، ولا موقف معلن وآخر غير معلن، وبكلمة موجزة ليس لدى المؤمن ازدواجية فأنت مؤمن يجب أن تأتي أفعالك كلها مصداقا لأقوالك، إذا أردت أن تكون بالمستوى اللائق الراقي يجب عليك أن تكون أفعالك كلها مصداقا لأقوالك هذا شيء أول.
أما الشيء الثاني فيجب أن يأمنك الناس:
عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ" قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" [صحيح البخاري].
هناك أشخاص مخيفون فإذا تكلمت كلمة مؤذية لمسامعهم مثلاً فلن تنام الليل خوفاً من عاقبتها ولا بد للمؤمن من أن يكون مصدر أمن فلا يأتيك من طرفه ضرر أو أذى أو مكيدة أو غدر أو قنص ... أبداً، فهو مصدر أمان، تنام ناعم البال مطمئن النفس مرتاح الضمير حتى ولو زلت قدمك أمامه ولو تكلمت بكلمة غير لائقة أمامه فلن يتخذ منك موقفاً، وفي الحديث القدسي يقول الله تعالى:
"يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر وأنا الدهر بيدي الأمر، أقلب الليل والنهار" [متفق عليه عن أبي هريرة].
ومع ذلك تجد الناس يعصونه جهرا وهو يسترهم والعبد ينسى وربي لا ينسى يعصونه جهراً ويسترهم ويرزقهم ويحفظهم وهذا شأن الله مع عباده، وأنت أيها القارئ الكريم مؤمن فأول صفة من صفاتك أنه ينبغي أن يأتي فعلك مصداقاً لقولك وأن تلغي من حياتك الازدواجية: الظاهر والباطن، العلانية والسريرة، أن تكون في جلوتك كخلوتك، أجل هذا هو المعنى الثاني: أن يأمن جانبك الناس كلهم.
فمثلاً زَوَّجْتَ ابنتك لمؤمنٍ فلا تخاف أن يجيع ابنتك ولا تخاف أن يظلمها ولا تخاف أن يفضحها ولا تخاف أن يضربها، المؤمن لا يأتي من جانبه إلا كل خير، إنْ شاركتَ مؤمناً فأنت مرتاح مطمئن، لا تخاف أن يتلاعب بالحسابات، ويزور لنفسه حسابا خاصا يعقد صفقة من وراء ظهرك لا تخاف، أصلحت جهازاً عند مؤمن فلا تخاف أن يبدل هذه القطعة بقطعة أخرى وأنت لا تدري، يأخذ القطعة الجيدة ويعطيك قطعة رديئة، يخدعك ويغشك، إن المؤمن مأمون الجانب في صنعته، في حديثه، في عمله، في مهنته، في حرفته، في زواجه، في شراكته، هكذا المؤمن يكون مأمون الجانب.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ "الْمُسْلِمُ مَنْ سَلِمَ الْمُسْلِمُونَ مِنْ لِسَانِهِ وَيَدِهِ وَالْمُؤْمِنُ مَنْ أَمِنَهُ النَّاسُ عَلَى دِمَائِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ" [سنن الترمذي].
لا تخش أن ينكر عليك المبلغ، إذا ائتمنته عليه، أو أقرضته إياه، ولا يخطر لك هذا في بال أبداً، لا تخشى أن ينكر عليك مالك أو يخفر ذمته نحو ولو لم يكن معك إيصال، فذمته أمينة مصونة إذ يخاف الله عز وجل، إذاً أنت كمؤمن تؤمن بقوله تعالى:
}هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُالْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَاللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{[الحشر: 23].
فالله مصدر أمان للعباد في أفعاله وفيما أعد لهم في الآخرة، قال تعالى:
}لاَ يَمَسُّهُمْ فِيهَا نَصَبٌ وَمَا هُم مِّنْهَا بِمُخْرَجِينَ{[الحجر: 48].
فأنت مؤمن إذا ذكرت لك جهنم على مسمعك، أو وصفت لك فإنك تتقيها بالتفكر وبالعمل الصالح، وبطاعة الله عز وجل، وفي الإقبال عليه خدمة للخلق وبالبذل والتضحية والإخبات والخوف والرجاء مما يجعلك في منجاة من عذابها إن شاء الله.
وكذلك المؤمن مأمون الجانب، جارك يطمئن لك، من يعاملك يطمئن لك فتنصحه لا تكذب عليه ولا تغشه، أتعطيه الحاجة وقد انتهى مفعولها وزورت التاريخ؟ لا، أنت مأمون، الأنبياء مأمونون على رسالة السماء، والمؤمن مأمون على ما ائتمن به، ابنتك أمانة عندك، زوجتك أمانة، أولادك أمانة، وهكذا، لكن الشيء الذي أتمناه عليك عزيزي القارئ أن تبادر فتدعو الناس إلى الله عز وجل بحيث يأمنوا عذابه يوم القيامة، ولتعلم أن هذه صنعة الأنبياء، وهذا أعظم أمن، فأعظم عمل ترجو ثوابه عند الله تعالى أن تحول بين الناس وبين عذاب جهنم بأن تعرفهم بالله عز وجل فإذا عرفوا الله واستقاموا على أمره وعملوا الصالحات كان نهجك نهج الأنبياء وكنت المؤمن حقا وهذه هي صنعة الأنبياء كما نوهت من قبل فتكون سببا لنجاة الناس من النار واعلم أنهم إذا استقام إيمانهم واستقامت أمور آخرتهم على ما ذكرنا استقام لهم أمر دنياهم وسعيهم فيها.
إن الله عز وجل هو المؤمن وسمى عباده الطائعين مؤمنين وهذا شرف لهم وفي ذلك فليتنافس المتنافسون وحسبك قوله تعالى (قد أفلح المؤمنون).
هو ملك الملوك ومع ذلك سمح لك أن تسمي نفسك مؤمناً وهو المؤمن مؤمن بذاته أولاً ثانياً تأتي أفعاله كلها مصدقة لأقواله، فأنت إذا قرأت القرآن لا تخشى المفاجآت ولا تخشى أن تأتي الأحداث خلاف القرآن فتنفضحَ أمام الناس لا، إنك لا تخشى إذا اعتقدت بما قاله الله عز وجل أن تأتي حقيقة علمية في المستقبل تكشف لك خطأ هذه الآية. أعوذ بالله هذا شيء مستحيل لأن الله عز وجل مؤمن أفعاله تأتي مصداقاً لأقواله.
المعنى الثالث: يهبك الأمن: إنْ في حواسك وإن في أجهزتك وإن في أعضائك، إن في طعامك وشرابك حتى في الهواء ثبات، وهو شيء ثمين موفور إن في ثبات خصائص المواد إن في ثبات طريقة النبات إن في بنية الأشياء إن في عملها بل وفي كل شيء، وقال سبحانه:
}إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ{[القمر: 49].
وبعد فأنت لأنك مؤمن لا بد من أن تأتي أفعالك مصدقة لأقوالك ويجب أن يأمن الناس جانبك، أي أنت مأمون فلا مفاجآت من قبلك ولا غدر ولا إيقاع ولا خيانة.
نسمع كل يوم آلاف القصص عن غدر الناس بعضهم لبعض، كما نسمع مئات القصص عن خيانة الشركاء لشركائهم، وعن خيانة الأزواج لزوجاتهم أو بالعكس، وعن أفعال يندى لها الجبين، وعن مقالب وغدر وإيقاع الأذى فليس هذا من أخلاق المؤمن لأن المؤمن جانبه مأمون.
عَنْ أَبِي شُرَيْحٍ أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ وَاللَّهِ لا يُؤْمِنُ" قِيلَ: وَمَنْ يَا رَسُولَ اللَّهِ؟ قَالَ: "الَّذِي لا يَأْمَنُ جَارُهُ بَوَائِقَهُ" [صحيح البخاري].
وبعد، فلا بد من سؤال وجيه يطرح نفسه: كيف نوفق بين اسم المؤمن وأن الله سبحانه وتعالى يقذف الخوف في قلوب العباد، هو مصدر أمن للخلق وفي الوقت نفسه قد يملأ قلوبهم خوفا؟!
}فَخَرَجَ مِنْهَا خَائِفاً يَتَرَقَّبُ قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِالظَّالِمِينَ{[القصص: 21].
وجواب ذلك دقيق جدا، فالإنسان إذا أمن اطمأن للدنيا ونسي الله عز وجل وركن إليها، فأعجبه ماله وأعجبته قوته أعجبته مكانته وأعجبه عيشه، وشعر أن الدنيا مديدة وأنه في مركز قوي، وبذا فقد أمن دنياه، واطمأن لها، وعاش في غفلة عن آخرته، فما علاجه؟ أن يقذف الله في قلبه الخوف، فإذا خاف هذا العبد التجأ إلى الله عز وجل ونجا من غفلته، فهو يخيفك كي يؤمنك ويفقرك كي يغنيك ويمنعك كي يعطيك ويضرك كي ينفعك ويُذِلك كي يعزك.
وبعد، ففي الفقرة السابقة إشارة إلى أسماء الله المزدوجة، ولقد قال العلماء فيما يتعلق بأسماء الله عز وجل المزدوجة: لا ينبغي إلا أن تذكر مثنى مثنى، فمثلا قالوا: ابتلاك ببعض صحتك، وأسقمك ليرحمك بعافيته، قال أبو الطيب:
لعل عتبك محمود عواقبه وربما صحت الأجسام بالعلل
وعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ:
"إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يَقُولُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ: يَا ابْنَ آدَمَ مَرِضْتُ فَلَمْ تَعُدْنِي، قَالَ: يَا رَبِّ كَيْفَ أَعُودُكَ وَأَنْتَ رَبُّ الْعَالَمِينَ، قَالَ: أَمَا عَلِمْتَ أَنَّ عَبْدِي فُلانًا مَرِضَ فَلَمْ تَعُدْهُ، أَمَا عَلِمْتَ أَنَّكَ لَوْ عُدْتَهُ لَوَجَدْتَنِي عِنْدَهُ...." [صحيح مسلم].
فإن أخذ بعض صحتك فذلك ليعوضك عما أخذ منك بشيء من رحمته، تزور المريض المؤمن فتجد نفسه صافيةً جداً ووجهه متألقاً إنه قريب من الله عز وجل، أسقمه قليلا وأعطاه الرحمة بديلا، فيأخذ ليعطي ويبتلي ليجزي يضر لينفع ويذل ليعز ويخفض ليرفع ويمنع ليعطي ويخيف ليطمئن، فإذا ابتعد الإنسان عنه ربه، وشرد عن شرعه امتلأ قلبه خوفا وهذا الخوف هو الدافع هو الذي يدفعه إلى العودة إلى رحاب الشرع ومحجة الإيمان.
إذاً أريد منك أيها القارئ الكريم أن تجمع بعض الآيات الكونية عن خلق الإنسان وعن خلق الحيوان وعن خلق النبات مما يبعث الطمأنينة في القلب، بعد إدراك ما فيها من إشارة إلى قدرة الله عز وجل بحيث توقظ فيك مواطن الاعتبار والاتعاظ فتزداد إيمانا "بالمؤمن".
وأنا أرشد القارئ الكريم إلى أن هذه الأسماء الحسنى ما هي إلا تعاريف وهي بذلك موضوعٌ صغير جدا. وأما كأدلة عليها من الكون فهي موضوع كبير جداً، موضوع له آفاق واسعة لا تنتهي لأن الكون كله يؤكد أسماؤه الحسنى.
وإذ أختم هذه المطالعة لهذا الاسم "المؤمن" فإليك هذه الخلاصة: الله مؤمن، يعرف ذاته، وأفعاله تأتي مصدقة لأقواله، فأنت إذا آمنت بالله، وقرأت كتابه لن تفاجأ بحوادث مخالفة لما في كتابه، الشيء الثابت يهبك الأمن من خلال خلقه، ومن خلال أفعاله فأنت مؤمن ينبغي أن تكون على صفتين أولاً: أن تكون أفعالك مصدقة لأقوالك وثانياً: أن يأمن الناس جانبك وإذا رأيت نقيض الأمن وهو الخوف فهو يخيفك كي يؤمنك يأخذ منك ليعطيك يخفضك ليرفعك يذلك ليعزك وهكذا فكل أمرك عنده عاقبته إلى خير.

من موسوعة النابلسي

__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله
رد مع اقتباس
 
  #8  
قديم 06-02-2010, 08:41
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255



المهيمن
والاسم المقرر اسم "المهيمن".
من منهج دراسة أسماء الله الحسنى مراعاة نقاط ثلاثة:
- النقطة الأولى: الحديث عن تعريف هذا الاسم.
- النقطة الثانية: تطبيقاته العملية.
- النقطة الثالثة: علاقة المؤمن به.
فمن معاني المهيمن: الرقيب الشهيد الذي يعلم السر وأخفى، يعلم خائنة الأعين، يعلم ما تخفي الصدور، يعلم ما ظهر وما بطن، يعلم ما يعلن المرء وما يسر، يرى الأشياء ويرى ما خلف الأشياء، يرى الظاهر ويرى الباطن.
ومن لوازم اسم المهيمن، القدرة التامة على تحقيق مصالح العباد علماً وقدرةً، ففي بني البشر من يعلم ولكنه لا يقدر، وفي بني البشر من يقدر ولكنه لا يعلم، ومن لوازم اسم المهيمن صفة ثالثة هي: المواظبة والاستمرار، قد تعلم ولا تقدر حيث يقول العوام: "العين بصيرة واليد قصيرة"، وقد تقدر ولا تعلم. فالإنسان قد يكون قويا قادرا يتمتع بأعلى درجات القوة ولكنه لا يعلم، وقد تعلم وتقدر وهذا النوع في بني البشر نادر الوجود أن يعلم وأن يقدر ولكنه لا يضمن المستقبل. قد يكون المرء على علم بما يجري تحت يديه وعلى علم بما يجري حوله، وهو واثق بأن يده تطول كل هذا الذي تحت سلطانه، ولكن لا يدري ماذا يكون من نتائج في المستقبل، أما إذا قلنا: "المهيمن" اسم من أسماء الله الحسنى فمن لوازم المهيمن أنه يعلم، ولا نهاية لعلمه، ولا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فلو أن طبيباً فحص مريضة تشكو من بعض أعضائها، واسترق النظر إلى عضو آخر فهذه خيانة وليس في الأرض كلها من يعلم هذه الخيانة إلا الله، يعلم خائنة الأعين، أي يعلم السر، علم ما كان وما يكون وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، يعلم السر وما يخفى عنك، يعلم الجهر وما تعلنه، يعلم السر وما تخفيه عن الناس، }يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى{[طه: 7]،}يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَمَا يَخْرُجُمِنْهَا وَمَا يَنزِلُ مِنَ السَّمَاء{ [الحديد: 4]في خواطركم في صراعاتكم في نياتكم في طموحاتكم في حركاتكم في سكناتكم في سركم في جهركم في بواطنكم في علانيتكم يعلم كل شيء.
بالمناسبة إن الإنسان لا يستطيع أن يهيمن إن لم يعلم تلك المعلومات والملابسات المحيطة بموضوعه قبل أن يباشره، لا يستطيع إنسان أن يهيمن على شيء ما مهما كان ضيقاً محدودا إن لم يعلم بكل ذلك يقولون: فلان تقصى الحقائق، يقولون: بِثَّ العيون، كيف تملك القرار إن لم تملك الحقيقة؟ المهيمن يعلم.
ولكن ما نفع العلم إذا كنت لا تقدر ها أنت تعلم مثلا ولا تقدر، المهيمن يعلم وهو يقدر ولا يعجزه شيء ولا نهاية لتعلقات قدرته، كل الممكنات أي كل ما سوى الله من ضمن قدرته، ولكن قد تعلم ما أنت بصدده، وقد تملك ولكن لا تعلم ما سيكون في الغد، قال تعالى في مجال الاقتدار:
}يُقَلِّبُ اللَّهُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَعِبْرَةًلِّأُوْلِي الْأَبْصَارِ{[النور: 44].
وقال تعالى في مجال العلم: }إِن يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِّثْلُهُ وَتِلْكَالأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللّهُ الَّذِينَ آمَنُواوَيَتَّخِذَ مِنكُمْ شُهَدَاء وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ{[آل عمران: 140].
ومن لوازم المهيمن طبعاً هذه الفكرة التي أسوقها للقارئ الكريم لتأكيد هذا المعنى، فالنبي عليه الصلاة والسلام كان إذا سافر يقول: "اللهم أنت الصاحب في السفر والخليفة في الأهل".
هل تعتقدون أن هذه الصفة التي يقررها الحديث يمكن أن تكون في إنسان ما، كأن يكون معك في السفر وفي الوقت نفسه يكون خليفتك في بيتك وأهلك وأولادك، مستحيل إما أن يكون معك وإما أن يكون في بيتك، لذلك قالوا: هاتان الصفتان لا تجتمعان إلا لله عز وجل، هو معك بالحفظ والرعاية والتوفيق والتسديد والنصر والتأييد وهو في البيت مع أولادك معية علم وقدرة ورعاية في غيبتك يحفظهم من كل مكروه، هو معك وهو خليفتك في البيت.
أقول: إنه من النادر أن يجتمع لإنسان العلم والقدرة، ففي المجتمعات البشرية أفراد تفوقوا في العلم ولكن يدهم قصيرة عاجزة، وأفراد تفوقوا في القدرة ولكن علمهم محدود، لكن لو أنه، فرضاً، اجتمع لإنسان وهذا شيء نادر جداً، كمال العلم مع كمال القدرة، ولعل نسبة ذلك واحد بالخمسين مليون، وإذا اجتمع لأحد كمال العلم مع كمال القدرة فإن رؤية المستقبل تنقصه حقا، قد يأتي من هو أقوى منه فينتزع ما بيده، وقد يأتي من هو أذكى منه، أو قد يأتي من هو خبيث ماكر فيسلبه ما بين يديه.
إذاً قد يجتمع لديك العلم والقدرة ولا تملك المستقبل ولكن إذا قلت: الله مهيمن معنى ذلك: أنه يملك العلم الكامل
}وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ{[الحجرات: 16].
والقدرة الكاملة ولا نهاية لتعلقات علمه ولا نهاية لتعلقات قدرته وليس في الكون جهة أخرى تشاركه في الحكم ألا تسمع قوله:
}مَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا يُشْرِكُفِي حُكْمِهِ أَحَداً{[الكهف: 26].
لو كان في الكون آلهة غير الله لفسدتا، }إذاً لذهب كل إله بما خلق ولَعَلا بعضهم على بعض{[المؤمنون: 91]، ليس لجهة أخرى أن تنافس أو تسيطر أو تقاوم أو تنازع أو تفسد، لذلك إذا اتكلت على المهيمن فهو الذي يعلم والذي يقدر، ويعلم ما يكون، وما لم يكن لو كان كيف كان يكون، وليس كمثله شيء.
ومن باب الموازنة: فالإنسان قد يملك ولا ينتفع، قد يملك بيتاً ثمنه أربعون مليون ليرة لكنه مؤجر قبل عام السبعين مثلاً، فهو يملكه ولا ينتفع به، وقد ينتفع ببيت لا يملكه، وقد ينتفع به ويملكه، لكن فجأة يصدر قرار استملاك فيغدو مصيره بيد غيره، أما إذا قلنا:
}وَلِلّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللّهُ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ [آل عمران: 189].
فالكون كلهُ مْلكُهُ مِلكا وتصرفاً ومصيراً.
وبعد، إني أريد لك أن تعلم أن جزءا أساسيا جداً من إيمانك بالله أن تعرف أسماءه الحسنى وصفاته الفضلى، وقد يسأل سائل عن هذا الحديث هل هو حديث صحيح وهل قاله النبي صلى الله عليه وسلم؟:
"إن لله تسعة وتسعين اسماً من أحصاها دخل الجنة".
نعم إنه صحيح ومتواتر إلى أبي هريرة وطرقه إليه كثيرة جدا، إياك أن تفهم كلمة أحصاها أنه عدَّها، إياك أن تفهم كلمة أحصاها أنه قرأها أو حفظها أو عدها لا، فإن معنى "أحصاها" أي: فهمها ونال نصيبه منها، ولعلك لاحظت مما سبق أن كل اسم من أسماء الله الحسنى -بصفتك مؤمنا- لك منه نصيب فإن لم يكن لك نصيب من هذا الاسم فكأنك ما أحصيت هذه الأسماء.
فالمهيمن، ذو علم لا نهاية له وقدرة تامة ومواظبة واستمرار هذا معنى المهيمن، ولكن هناك أربعة معانٍ فرعية تضفي على هذا المعنى شيئاً نفيساً جداً:
المعنى الأول: إذا كان الله هو المهيمن ففي معاني هيمنته الحب والشفقة، فأحياناً تقف الأم حول سرير ابنها المريض وهي تلاحظ حركاته وسكناته، هذه الوقفة الحانية المشفقة وقفة علم وقفة سيطرة ولكنها بدافع نبيل بدافع الشفقة والعطف والحنان، فإذا قلنا: فلان مهيمن بدافع الحقد وبدافع العنجهية والغطرسة والقوة والانتفاع والمناجزة وما إلى ذلك، فهذا استبداد وبطش إن وصف الإنسان بأنه مهيمن فالمعاني متعددة وقد تنعكس سلبا وإيجابا، أما إن وصف الله عز وجل بأنه مهيمن فمن معاني هيمنة الله عز وجل حبه وعطفه على عباده، مع ملاحظة المعنى الأساسي للاسم، والنبي عليه الصلاة والسلام رأى امرأة تقبل ابنها فقال عليه الصلاة والسلام:
"أترون هذه طارحة ولدها في النار؟" فقلنا: لا، النار حق وإحراقها حق ولهيبها حق، ولكن هذا شيء متعلق بذات الله عز وجل. فقال: "لله أرحم بعباده من هذه بولدها" [متفق عليه].
فهيمنة الله عز وجل هيمنة ممزوجة بعطف وحب وشفقة ورحمة وحرص على سعادتك وعلى آخرتك وعلى مستقبلك، فالمعنى الأساسي الأول علم وقدرة وديمومة، أما أحد المعاني الفرعية للهيمنة: فالحب والشفقة.
فلان مهيمن على هذا المستودع أي: أمين عليه لا يدع حاجة تخرج منه بلا علم وبلا تسجيل وبلا مراقبة وبلا محاسبة، هيمنة الأمانة.
ولندع المعنى الأول هيمنة الشفقة كالأم على ابنها إلى:
المعنى الثاني: هيمنة الأمانة، لذلك من معاني المهيمن الحافظ:
}قَالَ هَلْ آمَنُكُمْ عَلَيْهِ إِلاَّ كَمَا أَمِنتُكُمْ عَلَى أَخِيهِ مِنقَبْلُ فَاللّهُ خَيْرٌ حَافِظاً وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ{[يوسف: 64].
ومعنى مهيمن: أنك إذا كنت مع الله عز وجل واعتقدت بوجوده وأردت أن تحاور إنساناً فأنت المنتصر، الحوادث كلها تأتي مصدقة لك، كل إنسان يطرح نظرية أو يطرح فرضية أو يطرح مذهباً أو يطرح فكرة أو يطرح تفسيراً أو يطرح تحليلاً أو يطرح عقيدةً، والوقائع العملية تثبت العقيدة التي جاء بها القرآن، فإذا كنت أنت مع القرآن فأنت المهيمن وأنت المنتصر.
أن تقول مثلاً: }يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّكَفَّارٍ أَثِيمٍ{[البقرة: 276].
يمحق الله الربا، هذه آية كريمة وهذه عقيدتك، فالمرابي يقول لك العكس: أيعقل أن أجمد المال دون أن أضعه في مصرف لأتقاضى عليه فائدة مجزية أعيش بها؟ أنت –بوصفك مؤمنا-تطرح أن الله عز وجل يمحق الربا وهذا المُعرض الكافر يطرح نظرية أخرى وهي أن الإنسان لا بد من أن يستثمر ماله، الأيام تدور والوقائع تتجدد فإذا بهذا المرابي يمحق ماله، من الذي هيمن في هذا الموضوع؟ أنت، أنت عندما اعتقدت أن المرابي يمحق ماله، والأيام أكدت هذه الحقيقة فأنت المهيمن، أنت تعتقد أن الإنسان إذا غض بصره عن محارم الله أورثه الله نورا في قلبه وانعكس هذا في حياته الزوجية، يقول لك آخر: لا هذه العين يجب أن تستمتع، فهذا الجمال لمن خلق؟ لنا، فلا بد من إطلاق البصر وأن تملأ العين من هذه المناظر الحسنة الجميلة، تقول له: لا، ورأيك خطأ، هذا أمر إلهي وهذه آية قرآنية، تدور الأيام فإذا بهذا الذي يمضي نهاره كله في الطرقات يملأ عينيه من الحرام قد أصيب بمرض ارتخاء الجفون، من الذي هيمن في هذا الموضوع؟ أنت، أنت الذي هيمنت عندما جاءت الوقائع تؤكد ما تعتقد من أن هذا أمر إلهي، أنت إذا اخترت فتاة ولم تخترها إلا لدينها وعفافها وشرفها وصلاحها وأسرتها الصالحة وآثرت دينها على الجمال وعلى المال وعلى الحسب وعلى النسب وعلى الوجاهة في الدنيا، فأنت انطلقت من منطلق أن هذا العمل هو طاعة لله عز وجل قال سبحانه:
}وَلاَ تَنكِحُوا الْمُشْرِكَاتِ حَتَّى يُؤْمِنَّ وَلأَمَةٌ مُّؤْمِنَةٌ خَيْرٌمِّن مُّشْرِكَةٍ وَلَوْ أَعْجَبَتْكُمْ وَلاَ تُنكِحُوا الْمُشِرِكِينَ حَتَّىيُؤْمِنُوا وَلَعَبْدٌ مُّؤْمِنٌ خَيْرٌ مِّن مُّشْرِكٍ وَلَوْ أَعْجَبَكُمْأُوْلَـئِكَ يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَاللّهُ يَدْعُوَ إِلَى الْجَنَّةِوَالْمَغْفِرَةِ بِإِذْنِهِ وَيُبَيِّنُ آيَاتِهِ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْيَتَذَكَّرُونَ{[البقرة: 221].
أما ذاك الآخر فقد انطلق من شهوته وقال: الزوجة يجب أن تكون مِلْءَ العين جمالاً وفتنة كما أحب وأشتهي ولا قيمة لقلة دينها، تدور الأيام وإذا بك ترى هذا الذي اختار المرأة الصالحة لصلاحها ودينها ترى حياته الزوجية مستقرة وسعيدة ومفعمة بالمودة والمحبة، تتنامى سعادته ويبارك الله له في هذه الزوجة ويرزقه الأولاد وفيهم قرة العين، أما الذي آثر الجمال على الدين فحياته قطعة من جحيم فمن الذي هيمن في نهاية الموضوع؟ المؤمن، لذلك ربنا عز وجل يقول:
}تِلْكَ الدَّارُ الْآخِرَةُ نَجْعَلُهَا لِلَّذِينَ لَا يُرِيدُونَ عُلُوّاً فِيالْأَرْضِ وَلَا فَسَاداً وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ{[القصص: 83].
إذا هذه معان فرعية صحيحة من معاني المهيمن أن هيمنة الله عز وجل هيمنة حب وشفقة وأن هيمنة الله عز وجل هيمنة حفظ وأمانة.
ومن معاني هيمنة الله عز وجل كذلك: أن الله سبحانه يصدقك بأفعاله.
ومن معاني أن الله مهيمن أنك أنت المنتصر، وكلامك هو الصواب، واعتقادك هو الصحيح، والأفعال تأتي مصدقة لك، هذا معنى المهيمن كاسم من أسماء الله الحسنى، إذاً الهيمنة العلم الكامل، العلم التام والقدرة التامة والاستمرار والمواظبة، هذه المعاني الأساسية.
أما المعاني الفرعية فهيمنة حب لا هيمنة غطرسة وعنجهية وسيطرة كما يكون الإنسان، وهيمنة محافظة على المهيمَن عليه، أمين مستودع لا تأخذه في الله لومة لائم، وهيمنة تصديق لكل ما جاء به القرآن، هذا الجانب النظري من معنى المهيمن، علم وقدرة واستمرار، شفقة وحفظ وتصديق.
والآن أسوق بعض الأمثلة للإيضاح: هناك وقائع وشواهد وحقائق تعمق مفهوم هذا الاسم ومدلولاته.
سيدنا موسى حينما قال الله له ولأخيه هارون: }اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى، فَقُولَا لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى{[طه: 43-44].
فرعون وما أدراكم ما فرعون؟ الذي ذبح أبناء بني إسرائيل واستحيا نساءهم فمن يجرؤ على أن يخاطبه، وعلى أن يبين حقيقة دعواه الزائفة في أنه إله، من يجرؤ؟ }قَالَا رَبَّنَا إِنَّنَا نَخَافُ أَن يَفْرُطَ عَلَيْنَا أَوْ أَن يَطْغَى،قَالَ لَا تَخَافَا إِنَّنِي مَعَكُمَا أَسْمَعُ وَأَرَى،فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِيإِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِّن رَّبِّكَوَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى،إِنَّا قَدْ أُوحِيَ إِلَيْنَا أَنَّ الْعَذَابَ عَلَى مَن كَذَّبَ وَتَوَلَّى{ [طه: 45-48].
إنني معكما أسمع وأرى وفرعون بيدي، إذاً إذا آمنت أن الله هو المهيمن تستسلم ويرتاح قلبك، تطمئن نفسك، يستقر فؤادك، ترتاح أعصابك، الأمر بيد الله بعلمه وبقدرته، كل الخلق بيده ويعلم السر وأخفى.
خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى بني النضير يستعينهم في دية العامريين اللذين قتلهما عمرو بن أمية الضمري فلما خلا بعضهم ببعض قالوا: لن تجدوا محمدا أقرب منه الآن فمن رجل يظهر على هذا البيت فيطرح عليه صخرة فيريحنا منه؟ فقال عمرو بن جحاش بن كعب: أنا! فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر فانصرف عنهم. فأنزل الله تعالى فيه وفيما أراد هو وقومه:}يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللّهِ عَلَيْكُمْ إِذْهَمَّ قَوْمٌ أَن يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْعَنكُمْ وَاتَّقُوا اللّهَ وَعَلَى اللّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ{[المائدة: 11].
من الذي أخبره أن يتحول عن هذا المكان؟ الله عز وجل هم اتفقوا في غرفة محكمة الإغلاق قال ابن إسحاق: ثم خلا بعضهم ببعض فقالوا: إنكم لن تجدوا الرجل على مثل حاله هذه ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى جنب جدار من بيوتهم قاعد، اتفقوا على ذلك والله عز وجل أخبره، معنى مهيمن هنا أنه علم ما يقولون.
عمير ابن وهب كان شيطانا من شياطين قريش وكان يؤذي رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه ويلقون منه عناء أذاهم بمكة وكان ابن وهب بن عمير في أسارى أصحاب بدر قال: فذكروا أصحاب القليب بمصابهم، فقال: والله ما في العيش خير بعدهم فقال عمير بن وهب: صدقت والله! لولا دين علي ليس عندي قضاؤه وعيالي أخشى عليهم الضيعة بعدي لركبت إلى محمد حتى أقتله فإن لي فيهم ابني عندهم أسير في أيديهم قال: فاغتنمها صفوان فقال: علي دينك أنا أقضيه عنك، وعيالك مع عيالي أسويهم ما بقوا لا نسعهم بعجز عنهم، قال عمير: اكتم عني شأني وشأنك قال: أفعل! ثم أمر عمير بسيفه فشحذ وسم ثم انطلق إلى المدينة فبينما عمر رضي الله عنه بالمدينة في نفر من المسلمين يتذاكرون يوم بدر وما أكرمهم الله به وما أراهم من عدوهم إذ نظر إلى عمير بن وهب قد أناخ بباب المسجد متوشح السيف فقال: هذا الكلب والله! عمير بن وهب ما جاء إلا لشر هذا الذي حرض بيننا وحرزنا للقوم يوم بدر ثم دخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! هذا عمير بن وهب قد جاء متوشحا بالسيف قال: فأدخله فأقبل عمر حتى أخذ بحمالة سيفه في عنقه فلببه بها وقال عمر لرجال من الأنصار ممن كان معه: ادخلوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم فاجلسوا عنده واحذروا هذا الكلب عليه فإنه غير مأمون ثم دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم به عمر آخذ بحمالة سيفه فقال: أرسله يا عمر! ادن يا عمير! فدنا فقال: أنعموا صباحا وكانت تحية أهل الجاهلية بينهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد أكرمنا الله بتحية خير من تحيتك يا عمير السلام تحية أهل الجنة, فقال: أما والله يا محمد إن كنت لحديث عهد بها، قال: فما جاء بك قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم -فأحسبه قال فما بال السيف في عنقك- قال قبحها الله من سيوف فهل أغنت عنا شيئا؟ قال: اصدقني ما الذي جئت له؟ قال: إلا لهذا، قال: بلى قعدت أنت وصفوان بن أمية في الحجر فتذاكرتما أصحاب القليب من قريش فقلت: لولا دين علي وعيالي لخرجت حتى أقتل محمدا فتحمل صفوان لك دينك وعيالك على أن تقتلني والله حائل بينك وبين ذلك، قال عمير أشهد أنك رسول الله قد كنا يا رسول الله نكذبك بما كنت تأتينا به من خير السماء وما ينزل عليك من الوحي وهذا أمر لم يحضره إلا أنا وصفوان فوالله! إني لأعلم ما أنبأك به إلا الله فالحمد لله الذي هداني للإسلام وساقني هذا المساق ثم شهد الحق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فقهوا أخاكم في دينه وأقرؤوه القرآن وأطلقوا له أسيره ثم قال يا رسول الله: إني كنت جاهدا على إطفاء نور الله شديد الأذى لمن كان على دين الله وإني أحب أن تأذن لي فأقدم مكة فأدعوهم إلى الله وإلى الإسلام لعل الله أن يهديهم ولا أوذيهم كما كنت أؤذي أصحابك في دينهم فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فلحق بمكة وكان صفوان حين خرج عمير بن وهب قال لقريش أبشروا بوقعة تنسيكم وقعة بدر وكان صفوان يسأل عنه الركبان حتى قدم راكب فأخبره بإسلامه فحلف أن لا يكلمه أبدا ولا ينفعه بنفع أبدا فلما قدم عمير مكة أقام بها يدعو إلى الإسلام ويؤذي من خالفه أذى شديدا فأسلم على يديه ناس كثير. [رواه الطبراني مرسلا وإسناده جيد].
خولة بنت ثعلبة كانت تحت أوس بن الصامت وكانت حسنة الجسم وكان به لمم فأرادها فأبت فقال لها: أنت علي كظهر أمي ثم ندم على ما قال وكان الظهار والإيلاء من طلاق أهل الجاهلية فقال لها: ما اظنك إلا قد حرمت علي فقالت: والله ما ذاك طلاق وأتت رسول الله صلى الله عليه وسلم –وعائشة رضي الله عنها تغسل شق رأسه- فقالت: يا رسول الله! إن زوجي أوس بن الصامت تزوجني وأنا شابة غنية ذات مال وأهل حتى إذا أكل مالي وأفنى شبابي وتفرق أهلي وكبر سني ظاهر مني وقد ندم فهل من شيء يجمعني وإياه تنعشني به؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه فقالت: يا رسول الله والذي أنزل عليك الكتاب ما ذكر طلاقا وإنه أبو ولدي وأحب الناس إلي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه فقالت: أشكو إلى الله فاقتي ووحدتي قد طالت صحبتي ونفضت له بطني فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ما أراك إلا قد حرمت عليه ولم أومر في شأنك بشيء فجعلت تراجع رسول الله صلى الله عليه وسلم وإذا قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم: حرمت عليه هتفت وقالت: أشكو إلى الله فاقتي وشدة حالي وإن لي صبية صغارا إن ضممتهم إليه ضاعوا وإن ضممتهم إلي جاعوا وجعلت ترفع رأسها إلى السماء وتقول: اللهم إني أشكو إليك اللهم فأنزل على لسان نبيك وكان هذا أول ظهار في الإسلام فقامت عائشة تغسل شق رأسه الآخر فقالت: انظر في أمري جعلني الله فداءك يا نبي الله فقالت عائشة: أقصري حديثك ومجادلتك أما ترين وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ -وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا نزل عليه أخذه مثل السبات- فلما قضى الوحي قال لها: ادعي زوجك فدعته فتلا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم: (قد سمع الله قول التي تجادلك) الآيات.
قالت عائشة: تبارك الذي وسع سمعه الأصوات كلها إن المرأة لتحاور رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا في ناحية البيت أسمع بعض كلامها ويخفى علي بعضه إذ أنزل الله:
}قَدْ سَمِعَ اللَّهُ قَوْلَ الَّتِي تُجَادِلُكَ فِي زَوْجِهَا وَتَشْتَكِيإِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحَاوُرَكُمَا إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ بَصِيرٌ{[المجادلة: 1].
فكان عمر بن الخطاب عملاق الإسلام كلما مر بخولة بنت ثعلبة، كان ينزل عن دابته إجلالا لها ويقف أمامها بأدب ويستمع لها، فقال له أحدهم: أنت أمير المؤمنين وتستمع لهذه المرأة؟ قال: كيف لا أستمع لها وقد استمع الله لها من فوق سبع سموات، معنى هذا أن الله مهيمن ويسمع كل شيء.
وكذلك، سيدنا موسى قال لفرعون: أنا رسول الله، وكلمة فرعون تعني في وقته أعظم إنسان ودولته أعظم دولة، وحضارته أعظم حضارة، وهو الذي قال: أنا ربكم الأعلى وجمع السحرة كلهم ووعدهم بالعطايا وبالمناصب من أجل أن يقهروا سحر موسى كما يَدّعون قال تعالى:
}قَالَ بَلْ أَلْقُوا فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنسِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى، فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُّوسَى، قُلْنَا لَا تَخَفْ إِنَّكَ أَنتَ الْأَعْلَى،وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُسَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى{[طه: 66-69].
من انتصر؟ سيدنا موسى، فالله مهيمن على كل شيء.
هذه كلها شواهد قرآنية على اسم المهيمن، علم وقدرة واستمرار، هيمنة شفقة وهيمنة حفاظ وهيمنة تصديق.
أما سيدنا إبراهيم فقد جاءه جبريل وقد أوقد قومه ناراً عظيمة، جمعوا حطباً أياماً وأسابيع فأوقدوها وأركبوه المنجنيق وقذفوه كي يسقط في وسطها، هم مسيطرون مهيمنون، بيدهم كل شيء ألسنتهم تردد: مَنْ أشدُّ منّا قوة؟ (أولم يروا أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة)، ثلاث كلمات، قلنا: يا نار -الله مهيمن- كوني بردا، لو لم يقل: وسلاما لمات إبراهيم من البرد، ولوجدوه مجمدا، لكنه أضاف: وسلاما، وقال: على إبراهيم، لو لم يقل: على إبراهيم لانعدم وجود النار في الأرض ولأصبحت النار لا تحرق إلى يوم القيامة، ثلاثة كلمات:
}قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ،وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ{[الأنبياء: 69-70].
من المهيمن؟ الله عز وجل.
وكذلك، أُمُّ موسى، أعطني أُماً تستطيع أن تضع ابنها فلذة كبدها في صندوق وتلقيه في اليمّ، الله عز وجل أمرها بأمرين ونهاها عن نهيين وبشرها ببشارتين:
}وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذَا خِفْتِ عَلَيْهِفَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلَا تَخَافِي وَلَا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُإِلَيْكِ وَجَاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ{[القصص: 7].
أرضعيه وألقيه في اليم. هذان أمران، (ولا تخافي ولا تحزني) وهذان نهيان، البشارتان: (إنا رادّوه إليك وجاعلوه من المرسلين)، فهذا الصندوق من سَيَّرَهُ إلى شط فرعون؟ يعلم ويسيطر، وحينما فتح الصندوق من ألقى حبه في قلب امرأة فرعون؟ الله عز وجل، إذاً فالله مهيمن.
هذه القصص كلها تؤكد أسماء الله الحسنى، سيدنا يونس لا أعتقد أنه مهما ضاقت الأمور بأحد في الدنيا، لا أعتقد أن هناك مصيبة على وجه الأرض، تفوق مثل أن يكون المرء في ظلمة بطن الحوت مع ظلمة البحر مع ظلمة الليل، أجل في ظلمة بطن الحوت، فإذا فتح الحوت فمه جمع أربعة أطنان من السمك كوجبة عشاء معتدلة ورضعته الواحدة لوليده ثلاثمئة كيلو غرام من الحليب فثلاث رضعات تساوي ألف كيلو غرام تقريبا، كل يوم يحتاج إلى طن حليب، والحوت تقريبا وزنه مئة وخمسون طناً، فجوفه غرفة، وسيدنا يونس نبي عظيم. فجأة وجد نفسه في ظلمة بطن الحوت وفي ظلمة الليل وفي ظلمة البحر.
}وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِفَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّيكُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ{[الأنبياء: 87].
يا ترى هل في بطن الحوت جهاز فاكس أو جهاز تلكس أو هاتف محمول أو جهاز إشارة أو ما يشبه ذلك؟ ليس في بطنه شيء من هذا، إلا أنه نادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين: }فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِيالْمُؤْمِنِينَ{[الأنبياء: 88].
ألا ترتاح نفسك إلى هذه القصة؛ التي ختمت ببشارةٍ لكل مؤمن: (وكذلك ننجي المؤمنين) ففي أي عصر وأي زمان وفي أي مصر وفي أي ظرف مهما يكن شديدا، الله مهيمن، أنت كن مع المهيمن وارتح مطمئناً إلى سلامة المصير.
انظر إلى الطفل الصغير وهو في حضن أمه لا يتكلم بشيءٍ إِطلاقا، الأب يجهد لتأمين الحاجات، ولتأمين الأدوات المدرسية والابن مرتاح يريد الكراسة الفلانية والفلانية والفلانية يلقي الأمر بالطلبات المتلاحقة وهو مرتاح، والأب يتمزق لتأمين هذه الأغراض فإذا كان الشخص مع المهيمن فهو مع من على كل شيء قدير.
نعود إلى موضوع المهيمن، فإن سيدنا زكريا لم يتكلم، وإنما: }إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً{[مريم: 3].
جرب ابقَ صامتاً واطلب من الله طلباً بصدق وبإخلاص وليكن الطلب معقولا من خيري الدنيا والآخرة، واجهد أن تبقى صامتا من دون أي كلمة تنبس بها، تجد أن الله استجاب لك معنى هذا أنه سمعك وعلم سرك فالقضية مع الله لا تحتاج إلى رفع الصوت..
}إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيّاً{[مريم: 3].
نداؤه الخفي اخترق السَّبعَ الطباق فاستجاب الله لسيدنا زكريا لأن الله مهيمن.
في غزوة حنين، أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين خاضوا معه بدرا وأحدا والخندق والمشاهد الأخرى أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وهم ساكتون لم يتكلموا إِطلاقا، بل هي مناجاة داخلية وصلت إلى الله وعلم بها:
}وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْأَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ{[التوبة: 25].
قالوا في سرائرهم: لن نغلب اليوم من قلة عشرة آلاف صحابي ومعهم رسول الله بعد أن فتحوا مكة ودانت لهم الجزيرة من طرفها إلى طرفها الآخر ومع ذلك:
}فَلَمْ تُغْنِ عَنكُمْ شَيْئاً وَضَاقَتْعَلَيْكُمُ الأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُم مُّدْبِرِينَ{[التوبة: 25].
الله المهيمن، علم إعجابكم بأنفسكم فألقى في قلوبكم الخوف وقلوبكم في يدي الله. إمّا أن يملأها خوفا وإما أن يملأها طمأنينة.
ففي مسلم والمسند من حديث ابن عمر: "إن قلوب بني أدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن كقلب واحد يصرفه حيث شاء"، الله مهيمن.
الأمر كله بيد الله، سيدنا رسول الله بغار ثور وهو في طريق الهجرة إلى المدينة وسيدنا الصديق إلى جانبه قال: يا رسول الله لو نظر أحدهم إلى موطئ قدمه لرآنا، فقال: يا أبا بكر ما ظنك باثنين الله ثالثهما؟! [متفق عليه من حديث أبي بكر الصديق].
الله مهيمن، دعوة الإسلام العظيمة، حفظها الله –كما روي- بخيوط العنكبوت، وهذا من عظمة قدرة الله عز وجل أنه يحفظ أعظم شيء بأتفه سبب، الله مهيمن، وأحيانا يهلك إنسان بأتفه سبب، يحفظه بأتفه سبب، ليظهر لك كمال قدرته عز وجل.
في غزوة الأحزاب، الجزيرة العربية كلها اجتمعت على حرب محمد عليه الصلاة والسلام واليهود خانوا عهده معه وانكشف ظهره وبقي للإسلام ساعات، بقي الإسلام قضية زمن إلى أن قال أحدهم: أيعدنا صاحبكم أن تفتح علينا بلاد قيصر وكسرى وأحدنا لا يأمن أن يقضي حاجته، الله عز وجل أرسل رياحاً عاتية أطفأت نارهم واقتلعت خيامهم وقلبت قدورهم وكفى الله المؤمنين القتال، الله مهيمن، كل شيء بيده، الرياح بيده وصدق الله العظيم:
}وَمَا يَعْلَمُجُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ{[المدثر: 31].
منخفض جوي يمنع الرؤية ... بيده، رياح عاتية تعطل حركة الآليات ... بيده، القلوب ... بيده، يلقي فيها الخوف أو الثبات ..... بيده، كل شيء بيده، باخرة من أضخم البواخر في العالم بنيت سنة ألف وتسعمئة واثنتي عشرة، وقد بنيت طبقتين فلو ثقبت طبقة فالجدار الآخر يبقى سالما ويمنع غرقها، بنيت بلا زوارق نجاة ثقة بأنها لن تغرق، طبعت نشرة تعرف بهذه الباخرة الجبارة الفاخرة، وكُتب في هذه النشرة: إن القدر لا يستطيع إغراق هذه الباخرة، من أفخر البواخر في العالم، قيل: فيها من الأثاث ومن الثريات ومن الفضيات ما لا سبيل إلى وصفه، المطاعم والصالات والأبهاء والغرف والمسابح .... فهي مدينة عائمة، وفي أول رحلة من رحلاتها ركب فيها أغنى أثرياء أوربة، ويقال: إن حلي النساء تقدر بمئات الملايين، وفي عرض البحر ارتطمت بجبل ثلجي فشقها شطرين، وأرسلت إشارات الاستغاثة فظن كل من حولها من البواخر أن هذه الإشارات تعبير عن احتفالات تدشين السفينة وغرق جميع ركابها، وقبل سنة كما أذكر قرأت بحثا في "مجلة العربي" عثروا على مكانها ورأيت صورا لها في قاع البحر هذه الباخرة تدعى "التيتانيك"، قال وقتها أحد القساوسة: هذا درس السماء إلى الأرض.
قبل سنوات، دولة متقدمة جداً ممن يقول أهلها: مَنْ أشدُّ منّا قوة؟ صنعوا مركبة فضائية ومن المقرر أن تبقى في الفضاء سنة تقريبا، سبعة روّاد فضاء مع امرأة، والخطة أن تحمل هذه المرأة في الفضاء من أحد الرواد وأن تبقى في الفضاء تسعة أشهر وأن تلد في الفضاء ومعهم طبيب مُوَلِّد في المركبة ليكون أول مولود يولد في الفضاء، وسَمَّوا هذه المركبة: اشلنجر أي: المتحدي، بعد سبعين ثانية من إطلاقها أصبحت كرة من اللهب. منْ المهيمن؟ ألم يقوموا بالعد التنازلي؟ ألم يضبطوا الأجهزة جهازاً جهازاً؟ أين المهيمن؟ الله سبحانه وتعالى، كن مع المهيمن واسترح.
حدثني صديق لي أنه زار بستانا في أحد أطراف دمشق والبستان مؤلف من قطعتين لأخوين شقيقين، وكان قمح الأخ الأول نامياً نمواً عجيباً، وقمح الآخر نموه ضئيل جدا، وهذا الصديق مؤمن يعرف الله عز وجل فجاء للأول واستحلفه، لماذا بستانك هكذا زرعه نام نموا عجيبا؟ قال: والله أعتني به كما يعتني أخي ببستانه، بل إن الذي يقوم على البستانين مُرابع واحد، إذا فما السر؟ قال: لي أخ آخر متوفى وله أولاد أيتام ونويت في سري أن أعطي أولاد أخي الأيتام نصف غلة هذا البستان، أما الثاني منهما فهو على عكس الأول، هذه القصة تؤكد أن الله علم نية هذا البستاني فضاعف له غلته وعلم نية الآخر فأنقصها إذا المهيمن يعلم ويفعل.
وكذلك صديق آخر حدثني عن مجموعة مزارع في أطراف دمشق وهنالك بعض الرعاة الذين عندهم قطعان غنم يأتون بها لهذا المزارع لتشرب فيطرد أصحاب المزارع، كل راع يأتيهم مع غنمه، من هذه المزارع مزرعة واحدة تستقبل أيَّ راع وتسقي الغنم بنفس طيبة، أقسم لي رجل في هذه المنطقة أن سبع مزارع جفت آبارها إلا هذا البئر حصرا والعائد لهذه المزرعة، ولم يكتفِ بأنه سمح للرعاة بل بنى أحواضاً كي ترتاح الغنم في أثناء شربها، لقد اشترى أحواضاً إكراماً لمن؟ الله مهيمن: النبع بيده واشلنجر بيده و"تيتانيك" بيده، والسحاب بيده، والبواخر بيده، والحوت بيده، كل شيء بيده، فأحيانا قد يكون الإنسان حائرا تائها في مكان ناءٍ، فيخرج عليه ثعبان، وهذا الإنسان مؤمن على الأعم الأغلب فتجد الثعبان واقفاً ولا يتحرك نحوه، بل يتسلل بعيدا عنه، وأحياناً تجد كلباً عقوراً جائعا حائرا من شدة الجوع قضى أياماً عديدة في بؤسه وجوعه، فإذا واجه إنساناً تقياً يقف ساكنا كأن لم ير شيئا، روى الحاكم والبزار بسند صحيح عن سفينة قال: ركبت البحر فانكسرت السفينة فركبت لوحا فطرحني اللوح في أجمة فيها فأقبل إلي يريدني فقلت: يا أبا الحارث أنا مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم فطأطأ رأسه وأقبل إلي فدفعني بمنكبه حتى أخرجني من الأجمة ووضعني على الطريق وهمهم فظننت أنه يودعني فمن المهيمن؟ الله عز وجل.
الله عز وجل يقول:
}اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ{[الزمر: 62].
إذا لله هيمنة، وهو المسيطر، كلُّ شيء خلقه اللهُ مُسيطِرٌ عليه، وما خلق شيئاً وتركه هملاً، لذلك:
}اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ وَكِيلٌ{[الزمر: 62].
الحريق شأنه مخيف، ومداهمته عمياء، فقد ينشب حريق في بعض أسواق المدينة ويأكل الأخضر واليابس في معظم الحوانيت إلا حانوتاً واحداً، تلتف النار حوله ولا تحرقه ..... الله المهيمن وبيده النار.
قبل خمسين عاماً زحف جراد على هذه البلدة فأكل الأخضر واليابس، أخبرني رجل، توفي رحمه الله، كان مكلفاً بضبط هذا الأمر ومراقبة أصحاب البساتين في مقاومة الجراد قال: رأينا الأشجار بلا قشر، الجراد أكل أوراقها وثمارها وقشرها الخارجي، ولكننا فوجئنا ببستان كأنه روضة من رياض الجنان، دخلنا إليه وطلبنا صاحبه، فقلنا: ما الذي نرى من أمر بستانك؟ فقال: أنا أستعمل دواء، فامتلأنا غضباً وغيظا منه، أعندك دواء وتمنعه عن المسلمين، قال: نعم يا سيدي، فهذا الدواء لا يستعملونه، هو الزكاة، وأنا أزكي عن غلال هذا البستان، في كل موسم من مواسم العام.
هذه مشاهدات من واقع الناس وحياتهم، آلاف بل ملايين وكل شيء بيد الله عز وجل، فالبطولة أن تعرف الله أن تعرفه هو المهيمن، إذا عرفته مهيمنا انقطعت آمالك ممن سواه، لا تتوسل إلى غيره، أنت فيما بينك وبينه في منتهى الخضوع في منتهى التذلل في منتهى الافتقار. إذاً أنت في جانبك الأمن كله.
أما حالك مع الناس فأنت عزيز، إذا لم تعرفه مهيمنا وظننت بأن زيدا مهيمن، تصبح أمام زيد كالطفل الصغير، تبالغ في التذلل له، ويبالغ في إهانتك، وتبالغ في الخضوع له، ويبالغ في إهدار كرامتك لذلك [كما قرأ فرقد السبخي في التوراة]:
"من جلس إلى غني فتضعضع له ذهب ثلثا دينه".
وهذه الفقرة الثالثة في بحثنا، ففي الفقرة الأولى التعاريف النظرية لاسم المهيمن، كمال العلم وكمال القدرة والاستمرار، وهيمنة الله هيمنة حب وشفقة ورحمة، وهيمنة حفاظ، وهيمنة تصديق، وكانت الفقرة الثانية تتناول التعاريف الفرعية، ثلاث فقرات بالتعريف الأساسي، وثلاث إضاءات فرعية على هذا التعريف، هذا القسم النظري والقسم العملي والشواهد، وهو موضوع الفقرة الثالثة:
أخ كريم أصيب قلبه بآفة، والأطباء هنا بدمشق أجمعوا أنه لا بد له من إجراء عملية في بلد أجنبي، ذهب إلى هناك، وبينما هو مستلق على سرير الفحص، اغرورقت عيناه بالدموع وقال: يا رب! هذا القلب من صنعك وأتمنى ألا يفتح وبكى، فأجري الفحص الأول، وتتابعت الفحوص، وكانت النتيجة أن الله شفاه بما يسميه الأطباء "شفاء ذاتيا"، الشرايين الفرعية التي كانت مسدودة من الذي قام بفتحها؟ يد من فتحتها؟ الله مهيمن على قلبك.
وهذه الكُلْية توقفت عن العمل، لماذا توقفت؟ من أوقفها؟ ومن حركها؟ الله مهيمن، تأكد أن الأعصاب والكليتين والقلب والرئتين والشرايين والمعدة والأمعاء والقنوات الدائرية والسمع والبصر واللسان كل أعضائك بيد الله:
}قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُالْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَالْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{[آل عمران: 26].
هذه الخلايا من الذي يمنعها من أن تنمو نمواً خبيثاً؟ الله عز وجل، ليس هنالك سبب واضح للسرطان حتى الآن، إنسان بأتم قوته وبأتم صحته وبأتم نشاطه، غذاء منتظم، رياضة حركة، وفجأة ينمو الخبيث في جهة ما بجسمه.
من المهيمن على هذه الخلايا؟ يمنعها من أن تنمو نمواً خبيثا أو ألا تنمو، إنه الله عز وجل.
حتى الزوجة بيد الله عز وجل، الإمام الفضيل بن عياض يقول: إني لأعصي الله فأعرف ذلك في خلق جاريتي، أياما تجدها ملاكا سبحان الخالق، ملاكاً من السماء، وأياماً تفكر بهذه الساعة المشؤومة التي عرفتها بها، شأنها بيد الله عز وجل: يلين قلبها أو يقسي قلبها، يجعلها مطواعة، أو عنيدة بيد الله عز وجل.
حتى الأولاد: حالهم الشيء نفسه، وزبائنك، ورؤساؤك في الدائرة ومتبوعوك ومركبتك إذا أثنيت عليها وأثنيت على صانعها ونسيت الله أثناء حديثك عنها، فإنها تتعطل، وتقطعك في الطريق أمرها بيد الله عز وجل، أما الزلازل فالإنسان إزاءها مقيد مكبل، وأما الجراثيم فالنبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا عدوى" [متفق عليه].
لكن هناك عدوى، ما معنى هذا الحديث؟ أي: إياك أن تعزو هذا الفعل إلى زيد أو عبيد، يجب أن يعزى المرض إلى الله عز وجل، فإذا أذن الله لها فإن هذه الجراثيم تفعل فعلها، وإن لم يأذن فلا تفعل أبدا.
هذا القسم العملي وبقي القسم التطبيقي الأخير..
المؤمن إذا أردناه أن ينتفع بهذا الاسم يجب أن يعرف أحوال نفسه، يعرف نفسه حقيقة، فهل هي مريضة؟ هل فيها انحراف، أو كِبْر، أو عُجْب، أو غرور، أو لديها رغية في تجاوز حدودها، ورغبة الجموح والشرود؟ هل إيمانه بالله كافٍ أم غير كافٍ؟ يجب أن يعلم أحوال قلبه، أحوال نفسه، أن يعلم دخله أهو حلال أم حرام، وإنفاقه للمال، تعامله مع الآخرين، جوارحه مدى انضباطها، أحوالك مرضية عند الله أم غير مرضية، وهل أنت مستقيم أم غير مستقيم، وهل في علاقاتك انحراف؟ أعندك تقصير بالحقوق؟ يجب أن تعلم كل ذلك، ولن تعلم إلا إذا حضرت مجالس العلم، لأن "العلم بالتعلم والحلم بالتحلم ومن يتحر الخير يعطه ومن يتوق الشر يوقه" رواه الدارقطني في الأفراد بسند حسن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه.
هذه حرام، وهذه حلال، هذا يجوز أو لا يجوز، وهذه صفة مذمومة، وهذه صفة ممدوحة، فأنت من حضور مجالس العلم تعلم، فإذا تعلمت فقد حققت ثلث اسم المهيمن، ومن ثم يجب أن تسعى كي تطهر نفسك من آفاتها، والجوارح من المعاصي، تطهير القلب مما سوى الله، تطهير الفكر من عقائد زائغة، من خرافات من أوهام، من خزعبلات، من حيل، من تزوير.
أجل أعود لأقول: ينبغي أن تطهر عقلك من كل عقيدة زائغة، وتطهر جوارحك من كل معصية وعليك أن تطهر قلبك مما سوى الله، فهذا من تطبيق اسم المهيمن، أي: إن المرء راقبَ قلبَه وأشرف على أغواره وأسراره واستولى على تقويم صفاته وهيئاته وقام بمراقبتها على الدوام.
إذا يجب أن تعلم أحوالك، يجب أن تقوّم أفعالك، يجب أن تثبت على هذه الاستقامة، أنت عاهدت الله عز وجل على العلم والإصلاح والثبات.
الأرقى من ذلك أن تدعو إلى الله، وأن تعلم أحوال إخوانك وأن تسعى إلى تقويمهم ما استطعت، وأن تبقى على عهدك مع الله من خلال تعاملك معهم.
وأَنْ تصلح نفسك، فهو من معاني قوله تعالى:
}فَاتَّقُوااللّهَ وَأَصْلِحُوا ذَاتَ بِيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللّهَ وَرَسُولَهُ إِنكُنتُم مُّؤْمِنِينَ{[الأنفال: 1].
وبعد، فأصلح نفسك، كيف تصلحها إن لم تعرف أمراضها؟ إن لم تعرف انحرافاتها؟ إن لم تعرف تقصيرها؟ إن لم تعرف أدرانها؟ إن لم تعرف مشكلاتها؟ إن لم تعرف مخالفاتها؟ المعرفةُ أساس في كل سلوك أو عمل، إذاً فأنت تحتاج إلى علم كي تعرف، وإلى إرادة كي تُصَحِّح، وإلى صدق كي تستمر، إذا فعلت هذا فقد انتفعت من اسم المهيمن.
وبعدُ، ما دام الله يراقبك، فما موقفك أنت وهو الرقيب عليك؟ الحياء من الله، من تطبيقات اسم المهيمن أن تستحيي من الله، فالله يراقبك، ولتعلم أيضا أن الله قوي، فيجب أن تتوكل عليه، لا شريك له، ويجب أن تثق بالمستقبل، إذا تفوض الأمر كله إلى الله عز وجل:
}لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْأَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَابِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُوَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ{[الرعد: 11].
ثلاثة تطبيقات هي: أن تعلم أحوال قلبك وأحوال نفسك وأحوال عقيدتك فتصوراتُك وقِيَمُك يجب أن تصححها، لا بد من حضور مجالس العلم، وأن تملك إرادة قوية كي تصلح اعوجاجك، كي تقيم جوارحك على طاعة الله، وأن تتحلى بالصدق حقا كي تستمر على هذا، علم وإرادة وصدق هذا أول تطبيق.
أما التطبيق الثاني: فما دام الله شهيداً عليك فيجب أن تستحي منه:
}يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍوَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيراًوَنِسَاء وَاتَّقُوا اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّاللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيباً{[النساء: 1].
وما دام الله مسيطراً فيجب أن تتوكل عليه، إذا أردت أن تكون أقوى الناس فتوكل على الله، وما دام الله واحدا ولا شريك له، وقد قال لك:
}لَهُ مُعَقِّبَاتٌ مِّن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ يَحْفَظُونَهُ مِنْأَمْرِ اللّهِ إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَابِأَنْفُسِهِمْ وَإِذَا أَرَادَ اللّهُ بِقَوْمٍ سُوءاً فَلاَ مَرَدَّ لَهُوَمَا لَهُم مِّن دُونِهِ مِن وَالٍ{[الرعد: 11].
إذاً يجب عليك أن تثق بالمستقبل، وتثق بالله عز وجل، وأنك ما دمت لم ُتغَيّر فلن يُغَيّر، وما دمت على طاعته قائما فأنت من خير إلى خير ومن درجة عليا إلى درجة أعلى ومن منزلة إلى منزلة أسمى ومن رقي إلى رقي أرضى.
هذا اسم المهيمن أرجو الله سبحانه وتعالى أن أكون قد وفقت إلى توضيح تعريفاته وتطبيقاته وشواهده، كما أرجو أن ينفعك الله بها أيها القارئ فهما وعملا.



من موسوعة النابلسي
__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله
رد مع اقتباس
 
  #9  
قديم 07-02-2010, 07:16
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255





العزيز

سنبقى في الصفحات التالية مع اسم "العزيز"، وهذا الاسم كثيرا ما يرد في نهاية الآيات وهو العزيز الحكيم، وقد كنت بيّنت لكم من قبله أن الإيمان بالله "بوجوده" لا يكفي، بل يجب أن تؤمن بوجوده، وأن تؤمن كذلك بوحدانيته، وحدانيته في ذاته وفي صفاته وفي أفعاله، وأن تؤمن أيضا بكماله ومن الإيمان بكماله يمكنك أن تتعرف إلى أسمائه الحسنى وصفاته الفضلى.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِي اللَّهُ عَنْهُ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: "إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا مِئَةً إِلا وَاحِدًا مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ" [صحيح البخاري].
ومعنى إحصائها: أنك إذا عرفتها وعرفت مضامينها، عرفت ما ينبغي أن تفهمه منها، وما تدل عليه، عرفت ما ينبغي أن يكون موقفك منها لتتعامل معها، وأخيرا عرفت أبعادها، وموضوع بحثنا في الصفحات التالية اسم العزيز.
ورد هذا الاسم في آيات كثيرة من هذه الآيات، قال الله تعالى على لسان سيدنا عيسى عليه السلام:
}إِن تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِن تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [المائدة: 118].
لو أن الإنسان نسي كيف يتم الآية وقال: إن تغفر لهم فإنك أنت الغفور الرحيم، فهل تتناسب هذه الخاتمة للآية مع صدرها؟!..
إن الآية ختمت على النحو التالي: (وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم)، لأن الإنسان مهما علا شأنه، إذا أراد أن يغفر لأحد زلته ربما حوسب، ربما سئل لماذا عفوت عن فلان؟ لماذا لم تكلفه؟ لماذا تساهلت معه؟ لكن الله سبحانه وتعالى إذا غفر فهو العزيز الذي عز فغفر، ولا يسأل عما فعل (إن تعذبهم فإنهم عبادك وإن تغفر لهم فإنك أنت العزيز الحكيم).
هذه الآية الأولى في دراستنا، والآية الأخرى هي:
}وَلَهُ الْكِبْرِيَاء فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{[الجاثية: 37].
والآية الثالثة:
}يَقُولُونَ لَئِن رَّجَعْنَا إِلَى الْمَدِينَةِ لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّمِنْهَا الْأَذَلَّ وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ{[المنافقون: 8].
وهذه آية رابعة:
}سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ{[الصافات: 180].
وإليك آية خامسة حينما قال الشيطان:
}قَالَ فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ{[ص: 82].
اسم العزيز ورد في آيات كثيرة جدا، اخترت لكم من بين الآيات الكثيرة هذه الآيات.
وبعد فما معنى هذا الاسم من حيث اللغة؟
المعنى الأول: العزيز: الذي لا مثيل له، ولا مشابه له، ولا نظير له، مِن فِعلِ عز يعز، تقول: عز الطعام أي أصبح قليلا وأصبح نادرا، عز هذا الاختصاص؛ اختصاص عزيز: أي نادر، خبرة عزيزة أي نادرة، معنى عز يعز أي ندر وجوده أو لا مثيل له ولا مشابه له ولا نظير، اسم العزيز بهذا المعنى من أسماء التنزيه، الأسماء مصنفة: فهناك اسم تنزيهي وهناك اسم ذات وهناك أسماء صفات وهناك أسماء أفعال.
بشكل أوسع: العزيز الذي لا مثيل له ولا ند له ولا نظير له، إذا كان الشيء نادرا قليل الوجود ليس متوافرا مع إمكان توافره نسميه عزيزا، فكيف بالذي يستحيل على العقل أن يصدق أن له نظيرا، إذاً، الله سبحانه وتعالى لا مثيل له ولا ند له ولا مشابه له إذاً هو عزيز وهذا المعنى الأول.
المعنى الثاني: العزيز هو الغالب الذي لا يُغلب، الإنسان إذا غُلِبَ فليس عزيزا يصبح ذليلا وقد يبالغ المنتصر في إذلاله، قد يجري بعض التصرفات ليبالغ في إذلاله، فالغالب الذي لا يُغلب يسمى عزيزا، والعرب تقول في أمثلتها: من عز بز، أي مَنْ عز: مَنْ انتصر أخذ ما راق له ومن غلب سلب (وعزني في الخطاب) [ص: 23]، أي: غلبني في الخطاب، (إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة فقال اكفلنيها وعزّني في الخطاب) [ص: 23]، أي غلبني. فالقاهر الذي انتصر وقد يغلب يسمى عزيزا فكيف بالقاهر الذي لا يمكن أن يغلب، من باب أولى فالله سبحانه عزيز بالمعنى الثاني: أي القاهر الذي لا يغلب والدليل: }وَاللّهُ غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَـكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْلَمُونَ{[يوسف: 21].
وكأن الله تعالى يقول لك: أنت تريد وأنا أريد فإذا سلَّمْتَ لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي في ما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد، قال تعالى: (والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون) لو علم الناس أن الله غالب على أمره لأطاعوه ولاتكلوا عليه ولأقبلوا عليه ولتركوا سواه.
المعنى الثالث: العزيز هو القوي الشديد، من عز يعز ندر يندر، عز يعز غلب يغلب، عز يعز قوي يقوى، والآية الكريمة:
}إِذْ أَرْسَلْنَا إِلَيْهِمُ اثْنَيْنِ فَكَذَّبُوهُمَا فَعَزَّزْنَا بِثَالِثٍ فَقَالُوا إِنَّا إِلَيْكُم مُّرْسَلُونَ{[يس: 14]
يقولون لك: التعزيز، أي بعد أن تلقي الدرس تعززه بالتدريبات، مرحلة التعزيز أي ترسيخ المعلومات، وتمكينها هذا المعنى الثالث.
المعنى الأول: العزيز الذي لا مثيل له ولا ند له ولا مشابه له هذا من أسماء التنزيه.
المعنى الثاني الغالب الذي لا يغلب هذا من أسماء الصفات.
والمعنى الثالث: القوي الشديد هذا من أسماء الصفات أيضا، فالقادر الذي قد يضعف يسمى عند الناس عزيزا، فكيف بالقادر الذي يستحيل أن يضعف فهذا من باب أولى، إذاً الله سبحانه وتعالى عزيز بهذا المعنى الثالث.
وهناك معنى رابع وهو دقيق جدا، وربما كان المؤمنون في أمس الحاجة لفهم هذا المعنى.
المعنى الرابع: العزيز بمعنى الُمِعز، كأن تقول: الأليم بمعنى المؤلم، فأنت تقول مثلا: جرح أليم أي: جرح مؤلم، من معاني وزن فعيل أن يكون بمعنى اسم الفاعل مُفْعِل. فالعزيز بمعنى المُعِز وهو من صفات الأفعال.
إذا لدينا أربعة معان لاسم العزيز، الأول: من أسماء التنزيه والثاني والثالث: من أسماء الصفات وأما الرابع: من أسماء الأفعال، هو الذي يعز:
}قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ{ [آل عمران: 26].
آخر ملوك الأندلس أبو عبد الله محمد الصغير عندما غادر الأندلس سنة 897 بكى، فقالت له أمه عائشة:
ابكِ مثل النساء ملكاً مضاعاً لم تحافظ عليه مثل الرجال
فما قيمة الإنسان إذا تخلى الله عنه؟ قال تعالى:
}أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَمَن فِي الْأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُوَالدَّوَابُّ وَكَثِيرٌ مِّنَ النَّاسِ وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ الْعَذَابُ وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ إِنَّ اللَّهَ يَفْعَلُ مَايَشَاءُ{ [الحج: 18].
جزء كبير جدا من حياتك متعلق بكرامتك، فإذا كنت مع العزيز أعزك الله:
اجعل لربك كل عزك يستقر ويثبت
فإذا اعتززت بمن يموت فإن عزك ميت
هذه هي المعاني اللغوية لكلمة عزيز أو لاسم الله: العزيز، لكن هناك تعريف أدق وأجمل: العزيز الذي يقل وجوده وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه في وقت واحد، قد يقل وجود شيء ما ولكن لا تشتد الحاجة إليه، فهناك معدن نادر جدا ومع أنه نادر وقليل وجوده لكن لسنا بحاجة ماسة إليه، عندئذ لا يسمى هذا المعدن عزيزا، العزيز يجب أن تتوافر فيه صفات ثلاث: أن يقل وجود مثله، وأن تشتد الحاجة إليه، وأن يصعب الوصول إليه، قد تشتد الحاجة إلى شيء ولكنه غير نادر كالهواء، كلنا في أمس الحاجة إليه ولكنه موجود، قد تشتد الحاجة إلى الماء والماء موجود ووجوده في بعض البلاد كثير غزير.
إذًا لا بد أن يكون العزيز شيئا يقل وجوده وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه، إذاً شيء عزيز كأن يقال: عزيز المنال لا يدرك ولا ينال، هذه الصفات للشيء الذي يقل وجوده وتشتد الحاجة إليه ويصعب الوصول إليه، هذه الصفات لها صفات نقصان ولها صفات كمال، كلما كثر وجوده قلت عزته، وكلما قلت الحاجة إليه قلت عزته، وكلما سهل الوصول إليه قلت عزته، والآن كلما قل وجوده إلى أن يصبح واحدا، هذه صفة كمال في العزيز يقل وجوده ويندر وجوده حتى يصبح واحدا وتشتد الحاجة إليه فهذه أعلى صفة، ولا تكون إلا الله سبحانه.
شخص ما أحيانا قد يحتاج إليه بعض الناس، بل قد يحتاج إليه أكثر الناس، فكلما كثر الذين يحتاجون إليه أصبح عزيزا، فإذا احتاج إليه كل الناس فهذا شيء نادر، لا يوجد إنسان يحتاج إليه جميع الناس، قد تجد ملكاً وتجد إنساناً يعيش في أطراف مملكته يعمل راعياً، مع أنه أحد رعايا هذا الملك لكنه ليس بحاجة إليه، يأكل ويشرب في خيمته من نتاج هذا الغنم الذي يملكه.
كلما اشتدت الحاجة إلى الشيء أصبح عزيزا، كمال هذه الصفة شيء دقيق جدا أن يحتاج إليه كل شيء في كل شيء، أنا قد أحتاج إلى الطبيب عند المرض، ولكن لا أحتاج إليه عند النوم أنا أحتاج إلى سرير عند النوم، قد أحتاج إلى هذا المدرس إذا كان ابني ضعيفاً في مادة الرياضيات فأنا بحاجة إليه، أما أن يحتاج إليه كل شيء، وليس كل الناس فقط، لا بل الناس والحيوان والنبات والجماد والذرات والمجرات، أي يحتاج إليه كل شيء في كل شيء.
دققوا: كل شيء في كل شيء. إذاً الله سبحانه وتعالى عزيز لأن قيام الشيء به، قيام المادة هذه مادة فيها نواة وفيها كهارب وفيها دوران لولا أن الله سبحانه وتعالى تجلى عليها لتوقفت، كن فيكون زل فيزول:
}اللّهُ لا إِلَـهَ إِلاَّ هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ{[آل عمران: 2].
أي: أن قوام كل شيء به سبحانه، وهو مصدر حياة كل شيء.
إذا الله سبحانه وتعالى لا نقول: تشتد الحاجة إليه، بل نقول: يحتاج إليه كل شيء في كل شيء، الشبكية مئة وثلاثون مليون مستقبل للضوء ما بين مخروط وعصية تشكل عشر طبقات، العصب البصري تسعمئة ألف عصب، ما هذه المادة التي تتغير ماهيتها إذا جاءها الضوء؟ إذا تغيرت ماهيتها تولد عن هذا التغير تيار كهربائي ينقل الصورة إلى الدماغ، أنت محتاج إلى الله عز وجل في عينك وفي أذنك وفي لسانك وفي دماغك وفي شرايينك، وأيُّ شيءٍ لم يتجل اللَّه سبحانه وتعالى عليه يُصبح لا شيء، فأنت قائم بالله، عظامك عضلاتك المخططة والملساء أعصابك وأجهزتك كلها تعمل بالله، فلو أن الله سبحانه وتعالى حجب عنها تجلياته لأصبح الإنسان جثة هامدة، إذا يحتاجه كل شيء في كل شيء.
أول صفة: الذي يقل وجود مثله أما كمال هذه الصفة أن يصبح واحدا، فتشتد الحاجة إليه، كمال هذه الصفة يحتاجه كل شيء في كل شيء، يصعب الوصول إليه فلا يمكن أن تحيط به ولا الأنبياء فلا يعرف الله إلا الله، أن تصل إليه اتصال عبودية فهذا ممكن فاستقم على أمره واعمل الصالحات تصل إليه وهذا هو الوصول وهذا هو الاتصال.
شاب خطب ابنة عالم اسمها وصال، فهذا العالم قال له: مهر هذه الفتاة أن تحضر هذه الدروس التي ألقيها في مجلسي، فحضرها فاستغرق فيها فنسي الفتاة، فأرسلت له كتابا: يا فلان نسيتنا، فقال: يا وصال كنت سبب الاتصال فلا تكوني سبب الانفصال.
يمكن أن تصل إليه، أن تصل كعبد فعليك أن تستقيم على أمره وأن تفعل الصالحات أن تذكره كثيرا وأن تخدم عباده كثيرا فممكن أن تصل، أما أن تصل إليه وصول إحاطة وإدراك كامل فهذا مستحيل حتى للأنبياء فلا يعرف الله إلا الله.
فإذا سألت نفسك: ما معنى العزيز؟ فإنَّ معنى العزيز: هو الفرد الذي يحتاجه كل شيء في كل شيء ويستحيل الوصول إليه، وصول إحاطة وإدراك أما وصول عبودية فممكن.
قال بعضهم: العزيز من ضلت العقول في بحار عظمته وحارت الألباب دون إدراك نعمته وكلت الألسن عن وصف كمالاته ووصف جماله. والنبي عليه الصلاة والسلام لخص هذه الكلمات:
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: فَقَدْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْلَةً مِنَ الْفِرَاشِ فَالْتَمَسْتُهُ فَوَقَعَتْ يَدِي عَلَى بَطْنِ قَدَمَيْهِ وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ وَهُمَا مَنْصُوبَتَانِ وَهُوَ يَقُولُ: "اللَّهُمَّ إني أَعُوذُ بِرِضَاكَ مِنْ سَخَطِكَ وَبِمُعَافَاتِكَ مِنْ عُقُوبَتِكَ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْكَ لا أُحْصِي ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْتَ عَلَى نَفْسِكَ" [صحيح مسلم].
والله إن الحق الثابت أنه من عرف الله زهد فيما سواه، إذا عرفت الله لا يمكن أن تتضعضع لمخلوق، وعندها لا ترى مع عزة الله عزيزا، ولا ترى مع قدرة الله قديرا، ولا ترى مع حكمة الله حكيما..
قال ابن رجب وفي بعض الآثار يقول الله تعالى: "ابن آدم اطلبني تجدنـي فإذا وجدتني وجدت كل شيء، وإن فتك فاتك كل شيء وأنا أحب إليك من كل شـيء".
فلو شاهدت عيناك من حسننا الذي رأوه لما وليت عنا لغيرنـا
ولو سمعت أذناك حسن خطابنا خلعت ثياب العجب عنك وجئتنا
ولو ذقت من طعم المحبــة ذرة عذرت الذي أضحى قتيلا بحبنـا
ولو نَسمَتْ من قربنا لك نسمــة لَمِتَّ غريبا واشتياقا بقربنا
الله عزيز هذا الذي يتوهم بسذاجة أنه بركعتين وليرتين يدخل الجنة إنسان ساذج غبي، ومن خطب الحسناء لم يغله المهر.
وفي حديث بكير بن فيروز قال: سَمِعْتُ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "مَنْ خَافَ أَدْلَجَ وَمَنْ أَدْلَجَ بَلَغَ الْمَنْزِلَ أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ غَالِيَةٌ أَلا إِنَّ سِلْعَةَ اللَّهِ الْجَنَّةُ". [سنن الترمذي].
قال تعالى:
}لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَمَا تُنفِقُوا مِن شَيْءٍ فَإِنَّ اللّهَ بِهِ عَلِيمٌ{ [آل عمران: 92].
وقتك الثمين، زبدة وقتك، قوتك يجب أن تصرفها كلها في سبيل الله، مالك الذي جمعته بكدك وعرق جبينك يجب أن تنفقه في سبيل الله، ألا إن سلعة الله غالية، الله عزيز بالمعنى الطبيعي الفطري الله عزيز.
الآن من هو العزيز من العباد في ضوء هذا التعريف؟ الأنبياء أعزة لماذا؟ لأن الخلق كلهم بحاجة إليهم وإلى علمهم، النبي صلى الله عليه وسلم عزيز لأن ربنا عز وجل أودع فيه سره أودع فيه علمه أودع فيه النبوة، هو طريق إلى الله وهو باب الله، فالأنبياء أعزة لأن الله جعلهم أبواب رحمته وأبواب فضله وأبواب إحسانه وأبواب أنواره، لهذا إرضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم هو عين إرضاء الله، ولهذا قرن الله اسم نبيه صلى الله عليه وسلم مع اسمه فالنبي عزيز لأن الناس جميعا في أمس الحاجة إليه في أمر دينهم ودنياهم.
الملك عزيز: إذا كان ملك بيده مقدرات الأمور كلها، بيده كل شيء، فالناس جميعا يقصدونه كبيرهم وصغيرهم، جليلهم وحقيرهم، فكلما اشتدت الحاجة إليك فأنت عزيز، ألا إن المؤمن إذا اشتدت الحاجة إليه يكون عزيزا لكنه يكون متواضعا، وأما غير المؤمن فإذا اشتدت الحاجة إليه يكون متكبرا.
سُئل الإمام الحسن البصري وقد سما مقامه بين الناس: بِمَ نِلت هذا المقام؟ وقبل الإجابة أهمس في أذن القارئ الكريم بهذه الكلمة من القلب: لا يمكن أن تعرف الله وأن تطيعه، ثم تكون ذليلا لأحد أبداً، لأن الله عز وجل يقول:
}وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنينِ وَلَكِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَا يَعْلَمُونَ{[المنافقون: 8].
أتكون مع العزيز وتذل بعد ذلك -لا- لن يكون هذا أبداً، ألا تقرأ في الدعاء يوميا في قنوت الوتر: إنه لا يذل من واليت ولا يعز من عاديت؟
لن تجد مؤمنا تَعَرَّفَ إلى الله عز وجل واستقام على أمره واصطلح معه إلا أراه الله معاملة خاصة وأشعره من خلالها أنه غال عليه وأنه يحبه قال تعالى:
}وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ{ [الطور: 48].
أحيانا كثيرة تدعوه فيستجيب لك، تدعوه فيصرف عنك السوء، تدعوه فيلقي حبك في قلوب الخلق، تدعوه فيلين قلوب أعدائك، تدعوه فيلبيك، تسأله فيعطيك، تقسم عليه فيبرك.
فلما سئل الحسن البصري بما نلت هذا العز؟ قال: بشيئين، باستغنائي عن دنيا الناس وحاجتهم إلى علمي.
لا تكون عزيزا إذا كنت طماعاً، حينما تطمع تصبح ذليلا، لمجرد أن تطمع فيما عند الناس تصبح ذليلا.
لذلك إذا طمعت فيما عند الناس كرهوك، ورب العزة إذا طمعت فيما عنده أحبك.
لا تسألن بني آدم حاجة وسل الذي أبوابه لا تحجب
الله يغضب إن تركت سؤاله وبني آدم حين يسأل يغضب
الإنسان إن سألته حاجة غضب منك، ورب العزة إن لم تسأله غضب منك، لذلك فالنبي عليه الصلاة والسلام قال:
"لا يَنْبَغِي لِلْمُؤْمِنِ أَنْ يُذِلَّ نَفْسَهُ" قَالُوا وَكَيْفَ يُذِلُّ نَفْسَهُ؟ قَالَ: "يَتَعَرَّضُ مِنَ الْبَلاءِ لِمَا لا يُطِيقُ" [سنن الترمذي].
وروي عنه:
"ابتغوا الحوائج بعزة الأنفس، فإن الأمور تجري بالمقادير" [تمام وابن عساكر عن عبد الله بن بسر]، "ارفع رأسك يا أخي لقد مَوَّتَّ علينا ديننا" ورأى عمر رجلا طأطأ رقبته في الصلاة فقال يا صاحب الرقبة ارفع رقبتك ليس الخشوع في الرقاب إنما الخشوع في القلوب.
دخل أبو حنيفة في قضية على الخليفة أبي جعفر المنصور، فَأَعجبه أن يأتيه هذا العالم الجليل الفقيه الكبير، قال: يا أبا حنيفة لو تغشيتنا دائما، نحن في استقبالك نعتز بك وأهلا بك، قال: ولِمَ أتغشاكم يا أمير المؤمنين وليس لي عندكم شيء أخافكم عليه وهل يتغشاكم إلا من خافكم على شيء، ليس لي عندكم حاجة آتيكم من أجلها.
كلما قطعت طمعك من الناس أعزك الله، وكلما مرغت جبهتك في السجود لله أعزك الله.
قال مطرف وابن نافع وغيرهما لما قدم هارون المدينة وجه إلى مالك وقال له: قل له احمل لي الكتاب الذي صنفته حتى أسمعه منك، فوجد من ذلك مالك واغتم، وقال للبرمكي أقرئه السلام وقل له: العلم يزار ولا يزور، وإن العلم يؤتى، فرجع البرمكي إلى هارون فأخبره بذلك فغضب وأشار عامة أصحاب مالك أن يأتي هارون وقال البرمكي للرشيد يبلغ أهل العراق أنك وجهت إلى مالك فخالفك! اعزم عليه حتى يأتيك فإذا بمالك قد دخل فسلم وليس معه كتاب، فقال له هارون في ذلك، فقال مالك: يا أمير المؤمنين! إن الله تعالى بعث إلينا محمدا صلى الله عليه وسلم وأمر بطاعته واتباع سنته وأن نرعاه حيا وميتا وقد جعلك في هذا الموضع لعلمك فلا تكن أول من ضيع العلم فيضيعك الله، لقد رأيت من ليس هو في حسبك ولا نسبك من الموالي وغيرهم يعز هذا العلم ويجله ويوقر حملته فأنت أحرى أن تجل علم ابن عمك ولم يزل يعدد عليه حتى بكى.
ثم قال له حدثني الزهري وذكر حديث زيد بن ثابت، كنت أكتب بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم (لا يستوي القاعدون من المؤمنين والمجاهدون في سبيل الله) وابن أم مكتوم عند النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا رسول الله! قد أنزل الله تعالى في فضل الجهاد ما أنزل وأنا رجل ضرير فهل لي من رخصة، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أدري. قال زيد وقلمي رطب لم يجف حتى غشي النبي صلى الله عليه وسلم الوحي ووقع فخذه على فخذي فكادت تندق من ثقل الوحي ثم خلا عنه فقال اكتب يا زيد (غير أولي الضرر)، فقال: يا أمير المؤمنين هذا حرف واحد بعث فيه جبريل والملائكة مسيرة خمسين ألف عام حتى أنزل على نبيه أفلا ينبغي لي أن أجله وأعزه؟ قال، فقال هارون قم بنا إلى منزلك فأتى هارون منزل مالك فدخل مالك واغتسل ولبس ثيابا جددا وتطيب ووضع مجامير فيها عود وجلس فقال هات، فقال هارون: تقرأ علي؟ ما قرأت على أحد منذ زمان، قال فأخرج عني الناس حتى أقرأه عليك. فقال مالك: إن العلم إذا منع من العامة لأجل الخاصة لم تنتفع به الخاصة.
قال فكان هارون قد استند إلى جنب مالك، فلما بدأ يقرأ له قال: يا أمير المؤمنين! من تواضع لله رفعه الله. وفي رواية أبي مصعب: من إجلال الله إجلال ذوي الشيبة المسلم. فقام فقعد بين يديه فحدثه، فلما فرغ عاد إلى مكانه. قال مالك: لما كان بعد مدة قال لي الرشيد: تواضعنا لعلمك فانتفعنا به، وقال هارون لمالك إن رأيت أن تأتي ولديك فتحدثهم يعني ابني هارون. قال فما رد عليه مالك شيئا حتى خلا من عنده، فتول إليه فقال أنشدك الله يا أمير المؤمنين أن لا تكون أول من أجرى على يديك ذل العلم. قال: وما ذاك؟ قال أدركت أهل العلم يؤتون ولا يأتون. فقال له أصبت بل يأتوك.
وخرج مالك؟ فقال هارون: هذا الذي تلومونني فيه ما رأيت رجلا أعقل منه، قلت له آنفا فلم يرد على شيء كراهية أن يخرج منه شيء في ذلك الجمع فلما خلوت خرج لي عما في نفسي [ترتيب المدارك وتقريب المسالك]
العالم عزيز يجب أن تزهد فيما عند الناس، يجب أن تكون بعيدا عن دنياهم.
شخص سأل: كيف الطريق إلى الله؟ قال: لو عرفته لعرفت الطريق إليه، كلمة بليغة.
إذا عرفت الله تعرف بالفطرة ماذا يرضيه، وكيف تقبل عليه، وكيف تستقيم على أمره، وكيف تضحي من أجله، وكيف تؤثره على كل شيء، سأل: كيف الطريق إليه؟ فأجابه: لو عرفته لعرفت الطريق إليه، فقال له: لم أفهم كلامك، كيف أعبد من لا أعرفه، فقال: كيف تعصي من تعرفه، قال الحسن بن أحمد الصفار: سئل الشبلي وأنا حاضر أي شيء أعجب؟ قال قلب عرف ربه ثم عصاه:
تعصي الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في المقال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب يطـيع
سئل شخص: متى عرفت الله؟ قال: والله ما عصيته منذ عرفته.
مرة ثانية أهمس في أذنك أيها القارئ العزيز، والله الذي لا إله إلا هو لو تعلمت علم الثقلين بنية أن تكون ذا شأن في المجتمع وعصيت الله فيما بينك وبينه، فأنت لا تعرفه، لا تعرفه، لا تعرفه.
من لم يكن له ورع يصده عن معصية الله إذا خلا، لم يعبأ الله بشيء من عمله أبدا، لا تنظر إلى صغر الذنب ولكن انظر مَنْ اجترأت عليه، فلمجرد أن تعصي الله عز وجل يجب أن تعلم علم اليقين أنك لا تعرفه كمال المعرفة.
العلماء ثلاثة كما قال سهل التستري رحمه الله:
عالم بأمر الله تعالى لا بأيام الله وهم المفتون في الحلال والحرام وهذا العلم لا يورث الخشية.
وعالم بالله تعالى لا بأمر الله ولا بأيام الله وهم عموم المؤمنين.
وعالم بالله تعالى وبأمر الله تعالى وبأيام الله تعالى وهم الصديقون والخشية والخشوع إنما تغلب عليهم وأراد بأيام الله أنواع عقوباته الغامضة ونعمة الباطنة التي أفاضها على القرون السالفة واللاحقة فمن أحاط علمه بذلك عظم خوفه وظهر خشوعه.
لو تخيلنا إنساناً يحمل أعلى شهادة شرعية، وله مئة مؤلف وهو ذو منصب ديني خطير، ودخلت عليه امرأة وتأمل فيها وملأ عينيه منها، وعنده مستخدم على الباب، لا يقرأ ولا يكتب لكنه قرأ قوله تعالى: }قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ{ [النور: 30].
فغض هذا المستخدم بصره عنها فهو عند الله عالم، والأول الذي ملأ عينيه من الحرام جاهل.
عَنْ مَسْرُوقٍ قَالَ: كَفَى بِالْمَرْءِ عِلْمًا أَنْ يَخْشَى اللَّهَ وَكَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلا أَنْ يُعْجَبَ بِعِلْمِهِ. [سنن الدارمي].
دع هذه الكلمة حية في ذهنك دائما: لمجرد أن تعصيه فأنت لا تعرفه.
قيل: ما الأدب الذي يجب أن يتحلى به المؤمن حيال هذا الاسم؟ الله عزيز ما موقف المؤمن حيال هذا الاسم؟
قال: المؤمن إذا عرف العزيز ينبغي ألا يعتقد أن لمخلوق إجلالاً، نعم هو الإنسان أديب جدا مع الناس، لكنه لا يمكن أن يعتقد لمخلوق إجلالاً، أي يجب أن يحقر الأقدار إزاء قدره، وأن يمحو الأذكار سوى ذكره، قرأ فرقد السبخي في التوراة: "من جالس غنيا فتضعضع له ذهب ثلثا دينه".
لماذا؟ قال: لأن الإيمان ما وقر في القلب وأقر به اللسان وصدقه العمل، فإذا أجللت غنياً لغناه، أجللته وانحنيت له وأثنيت عليه بما ليس فيه فقد أذهبت ثلثي دينك، والإيمان ثلاثة أشياء: ما وقر في القلب، وأقر به اللسان، وصدقه العمل، فإذا كان العمل الظاهري تعظيم لإنسان لا يعرف الله وبدورك عظمته لأنه غني، فالنتيجة إذاً ذهب ثلثا دينك.
"واعلم أن شرف المؤمن صلاته بالليل، وعزه استغناؤه عن الناس" [الطبراني في الأوسط بسند حسن].
عند المؤمن عزة لو وزعت على أهل بلدة لكفتهم، قال تعالى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين) المؤمن يرى أنه عبد لله حقا، وأن الله لن يضيعه، ولن يسلمه، ولن يتخلى عنه، أفلا يكون مع كل هذا عزيزا؟
عندنا قاعدة ثابتة: أنه إذا عَظَّمَ القلبُ الربَّ صَغُرَ الخلق في عينه، فإذا كان الله ليس عظيما في عينه كبر الخلق في عينه. هذا امتحان، فلان مثلا يقولها بملء فمه: سيفعل ويترك، وعنده قدرة على كذا وكذا وكذا. إن كنت مثله فأنت لا تعرف الله إذاً، ما دمت تُجِله كل هذا الإجلال فإنك لا تعرف الله، لأن الله عز وجل لو جَمّد قطرة من دمه في أحد شرايين مخه لأصبح مشلولا، ولو أن الله عز وجل جمد بعض الدم في شرايين قلبه لمات بسكتة قلبية، وقضى من فوره، والإنسان كلما ارتقى إيمانه التفت إلى الله أكثر وأكثر، قال تعالى:
}فَنَذَرُ الَّذِينَ لاَ يَرْجُونَ لِقَاءنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ{[يونس: 11].
إذا عرفت أنه المُعِزّ، فلو اجتمع الناس جميعا على أن يرفعوك درجة لا يستطيعون، أما إذا رفعك الله عز وجل درجة أو أكثر لا يستطيع أهل الأرض أن يضعوك، ومعلوم: إذا عرفت أنه المعز لم تطلب العز إلا بطاعته.
قال بعضهم: لو اجتمع الخلق على أن يثبتوا لأحد عزاً فوق ما يثبته اليسير من طاعته لما قدروا، لا تُعَزّ إلا بطاعة الله، أَعِزَّ أمر الله يعزك الله، قال العلماء: لو اجتمع الخلق على أن يثبتوا لأحد ذلاً أكثر من اليسير من المعصية لم يقدروا، هناك عامل واحد يرفعك ويخفضك هو الطاعة والمعصية، كلما أطعته ازددت عزا وكلما هان أمر الله عليك هنت عليه، ويجب أن يفهم المسلم أن حال المسلمين اليوم: هان الله عليهم فهانوا على الله.
قد يقع الإنسان في خطأ كبير. يظن أن هؤلاء الذين يحسبون بالملايين في العالم الإسلامي يظنهم مسلمين. والمسلم له صفات، فإذا أحسن بهم الظن وهم تاركو الصلاة ويكذبون ويأخذون ما ليس لهم عدواناً، وظلما، وقد يفعلون المعاصي كبيرها وصغيرها، فقد انزلق فيما هم انزلقوا فيه، هان أمر الله عليهم فهانوا على الله، هاتان الكلمتان تلخصان كل أحوال المسلمين.
أما على المستوى الفردي، فإذا استقمت على أمر الله وإذا اعتمدت عليه، وتوكلت عليه، فالله سبحانه وتعالى يعاملك معاملة خاصة، أما إذا عصاه مجموع الأمة فالله سبحانه وتعالى لا بد من أن يؤدبهم، لأنه إذا عصاه من يعرفه سلط عليه من لا يعرفه.
رجل ذهب لأداء فريضة الحج، كان ذا شأن كبير رافقه عشرات الخدم والحشم، فكان هؤلاء الخدم في أثناء الطواف يبعدون الناس عنه تعظيما له، حج وطاف وسعى وانتهى حجه وعاد إلى بلده، راوي هذه الواقعة عمرو بن شيبة قال: وبعد حين وعند جسر في بغداد رأيت رجلا يشبه هذا الذي رأيته يطوف، لكن رأيته في حالة زريه قميئة يمد يده للناس، يا ترى أهذا فلان؟ أهو هو؟ ليس هو، دخل الشك في قلبه، فتقدم منه فقال: مالك تنظر إليّ، قال: كأنك تشبه فلاناً، قال: أنا هو، فقلت له: ما الذي جعلك في هذه الحال؟ قال: إني تكبرت في موضع يتواضع الناس فيه، فكان هذا جزائي، فالطواف حول الكعبة ليس فيه كبر، أنا فلان أنا علان أنا حجمي المالي كذا لا كبر في هذا الموقف، في هذا الموقف أنت عبد لله عز وجل ولو كنت ملكا، قال: ترفعت في موضع يتواضع فيه الناس فوضعني الله حيث يترفع الناس فيه.
كلما أحاط الإنسان نفسه بهالة من الكبر والاستعلاء هان وحطه الله جزاء وفاقاً، صفتان لا تقربهما: الكبر والظلم، إن الله سبحانه وتعالى يغفر عشرات الذنوب بسهولة، إلا ذنبين يبطش بصاحبهما: الكبر والظلم، إلا اثنتين فلا تقربهما أبدا: الشرك بالله أي: الكبر والإضرار بالناس أي: الظلم
وبعد فنحن الآن تطالعنا مشكلة، وهي ليست مشكلة صراحة. ولكنْ هكذا سميتها: كيف يقول الله عز وجل:
}مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعاً إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ وَالَّذِينَ يمْكُرُونَ السَّيِّئَاتِ لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَكْرُ أُوْلَئِكَ هُوَيَبُورُ{[فاطر: 10]
أي العزة كلها له. هو العزيز، ونقرأُ آيةً أخرى: (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون)، يبدو أن هناك تناقضا بين الآيتين. هكذا يبدو، والجواب: إذا ابتغيت العزة بالإقبال على الله والاعتزاز به فأنت عزيز، لكن حينما قال الله عز وجل: (فلله العزة جميعاً) أي: مهما أردت العزة بغير الله فأنت ذليل، إذا أردت العزة وأن تكون عزيزا عن غير طريق طاعة الله، عن غير طريق الاستقامة على أمره، عن غير طريق إعزاز أمر الله، فأنت ذليل.
ويروى أن امرأة العزيز قالت ليوسف عليه السلام بعد أن ملك خزائن الأرض وقعدت له على رابية الطريق في يوم موكبه، وكان يركب في زهاء اثني عشر ألفا من عظماء مملكته، سبحان من جعل الملوك عبيدا بالمعصية، وجعل العبيد ملوكا بطاعتهم له، إن الحرص والشهوة صيرا الملوك عبيدا وذلك جزاء المفسدين، وإن الصبر والتقوى صيرا العبيد ملوكا فقال يوسف كما أخبر الله تعالى عنه: (إنه من يتق ويصبر فإن الله لا يضيع أجر المحسنين).
وقد نسمع ونقرأ عن إنسان كان في أعلى درجات العز فلما بنى عزه على معصية الله جعله الله في أسفل السافلين.
وهناك شيء آخر فسيدنا يوسف عندما قال:
}قَالَ مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ{[يوسف: 23].
جعله الله عزيز مصر فانظر واعتبر.
والله سمعت حكاية، لولا أن صاحبها حي يرزق، لما استطعت أن أصدقها: شاب حديث السن عنده دكان صغيرة في حي من أحياء دمشق وهي حكاية قديمة جدا، يبدو أن فتاة ساقطة تحرشت به، وأغرته فأغلق محله وتبعها، وكان هذا الشاب لسبب معين قد حج في سن مبكرة، وبينما هو في طريق متابعته إياها تذكر حجته فقال: لا والله لا أفسد هذه الحجة، فركب الحافلة وعاد أدراجه إلى البيت. أَيْ: خشي الله وأطاعه، وفي اليوم التالي جاءه أحد وجهاء الحي من جيرانه فقال له: يا فلان هل أنت متزوج؟ فأجابه: لا والله يا سيدي، قال له: عندي فتاة مناسبة ابعث أهلك ليروها، فقال: ظننت أن في ابنته دمامة، لأنه هو الذي عرضها عليه، قال: فبعثت بأهلي ليخطبوها فرأوها في أحسن حال فوافقت، وما هي إلا أشهر حتى جعلني شريكه في عمله التجاري وأغلقت المحل السابق وبعته، طبعا العم توفي لكن الرجل لا يزال حيا يرزق، وغدا من كبار التجار.
}مَعَاذَ اللّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لاَ يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ{ [يوسف: 23].
ما ترك عبد شيئا لله إلا عوضه الله خيرا منه في دينه ودنياه، أي شيء تدعه في سبيل الله فلا بد من أن يعوضك الله خيرا منه في دينك ودنياك، أتحب أن تكون عزيزا؟ أتحب أن تكون مكرما؟ أتحب أن تكون محترما؟ أتحب أن تكون مبجَّلا؟ بالغ في طاعة الله، كلما أطعته رفعك وكلما خالفت أمره وضعك، فإذا هان أمره عليك هنت عليه وإذا عظَّمت شعائره أعزك.
فالذي ذهب إلى المدينة وزار النبي عليه الصلاة والسلام يعلم ماذا أعني بهذا الكلام، ما من مخلوق على وجه الأرض أعزه الله عز وجل كرسول الله صلى الله عليه وسلم، لو أن إنساناً في حرم النبي عليه الصلاة والسلام ودخل الملك لما رآه ملكا، في الحرم النبوي لو دخل الملوك مجتمعين لا ترى أنهم ملوك في حضرة النبي عليه الصلاة والسلام، كان عليه الصلاة والسلام إذا دخل عليه العبد وأصابته رعدة يقول:
"هون عليك، فإني لست بملك، إنما أنا ابن امرأة من قريش كانت تأكل القديد" [ابن ماجه عن أبي مسعود البدري].
أناس يأتونه من أطراف الدنيا فإذا اقتربوا من مقامه يبكون وقد مضى على وفاته ألف وأربعمئة عام ويزيد، ما هذا السر؟ هل في الأرض كلها مخلوق أعزه الله كرسول الله صلى الله عليه وسلم؟ خذ صحابته أمثله حية، سيدنا الصديق ماذا كان يفعل؟ له جيران فقراء، وكان يحلب لهم الشياه، فلما صار خليفة للمسلمين حزن أهلُ هذا البيت لأن منصبه الرفيع يمنعه أن يحلب لهم الشياه، في اليوم الذي تلا تسلمه منصب الخلافة طرق الباب، قالت الأم لابنتها: يا بنيتي افتحي الباب، ثم قالت: يا أمي إن بالباب حالب الشاة جاء اليوم أيضا ليحلب الشاه، ما هذا التواضع؟ وما من صحابي أعزه الله وذكر في القرآن كسيدنا الصديق.
ملخص البحث، قانون، علاقة طردية. كلما زدته طاعة وتعظيما زادك عزا، وكلما تساهلت بأمره وقلت: لا تدقق، إن الله غفور رحيم، والدين يسر، وقلت لصاحبك: أنت متشدد ومتشنج كثيرا، افعل ما تشاء، ولا بأس عليك، فكلما تساهلت في طاعته خفضك الله عز وجل وحط من شأنك، وبلغت الهوان.
إن هؤلاء الذين علموا الناس، الأئمة الكبار كالإمام الشافعي وأبي حنيفة ومن قبلهما الصحابة الكرام، فاسم كل واحد منهم على كل لسان، بذكرهم تتعطر المجالس عظموا الله فخلّد ذكراهم.
سيدنا موسى عليه السلام غدا في أوج عزه وفرعون يهون ويغرق. يقول الله عز وجل:
}وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُأَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَامِنَ الْمُسْلِمِينَ،آلآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ{
[يونس:90-91].
وصدق الله العظيم.
}وَمَن يُهِنِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ{[الحج: 18].
سيدنا إبراهيم عليه السلام أرادوا به كيدا فقلنا:
}قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ{[الأنبياء: 69].
هذا هو العز. عِزُ الله لإبراهيم وموسى ويوسف كما علمت.
النبي عليه الصلاة والسلام، ما من مخلوق أعزه الله كرسول الله، وسيدنا الصديق، وسيدنا عمر مر بخولة بنت ثعلبة في أيام خلافته.. قف يا عمر فوقف لها وأصغى لها وأطالت الوقوف وأغلظت القول وقالت: هيه يا عمر عهدتك وأنت تسمى عميرا وأنت بسوق عكاظ.. فلم تذهب الأيام حتى سميت عمر ثم لم تذهب الأيام حتى سميت أمير المؤمنين فاتق الله في الرعية... فقال لها الجارود: قد أكثرت أيتها المرأة على أمير المؤمنين، فقال عمر: دعها أفلا يسمعها ابن الخطاب وقد سمع الله مجادلتها للرسول صلى الله عليه وسلم من فوق سبع سماوات!؟.
كان وقّافا عند كتاب الله فرفعه الله سبحانه.
وكذلك سيدنا عثمان، سيدنا علي، وبالمقابل أبو جهل ما نهايته؟ ما سُمْعَته؟ ما قيمته؟ وأبو لهب كذلك، هؤلاء صناديد الكفار أين هم؟ أما عكرمة بن أبي جهل فحينما تاب إلى الله تاب الله عليه وأصبح سيدنا عكرمة مع أنه له جاهلية وكان قد أهدر دمه وله موقفه المعادي لرسول الله صلى الله عليه وسلم.
لا أريد أن أطيل، فما من مخلوق على وجه الأرض إلا ويحب وجوده ويحب سلامة وجوده ويحب كمال وجوده ويحب استمرار وجوده، وجزء كبير جدا من وجودك أن تكون مكرما أن تكون عزيزاً، أن تكون مرهوبا، أن تكون سليما من كل هُون، وما من شيء يسبب لك الهوان كالمعصية أبدا.
فالعفيف عزيز، وحينما يطمع الإنسان بأعراض الناس وينظر إلى نسائهم نظرات ريبة يصبح ذليلاً، الإيمان عفة عن المطامع عفة عن المحارم.
الإيمان عفة، عفة عما في أيدي الناس وعفة عن أعراضهم، لهذا غض البصر من لوازم المؤمن، المؤمن محصن من أن يتبع شهوته، وكلما غض بصره زاده الله عزا وكلما غض بصره زاده سعادة بأهله، ولا يمكن أن تكون إلا بطاعة الله، يعيشان حياة ثرة غنية موفقة لأنها أطاعت ربها فيه وأطاع ربه فيها.
فمطلب العزة مطلب عام، ما من مخلوق إلا ويتمنى أن يكون عزيزا، والعزة ثمنها الطاعة وهذا الكلام موجه إلى الشباب، اصبر على الحرام يأتك الحلال، لا تفكر ولا تسمح لخاطرك أن تَرد عليه معصية وسوف توفق في عملك وتوفق في زواجك، سوف يجعل الله لك مخرجا، وسوف ترزق من حيث لا تحتسب، وسوف يرفع الله لك شأنك.
بعض الناس يموت فيسير في جنازته شخص أو شخصان هواناً لشأنه لمعصيته، ويموت عالِمٌ فيسير في جنازته مليون، أعزه الله، لماذا أعزه؟ لأنه أَعِزَّ أمر الله، أعز أمر الله يُعزَّك الله.
هذه حقائق ثابتة أيها القارئ الكريم، فكل من يبتغي العزة بغير الله أدركه الهوان، فلو أن الإنسان اتخذ الله ولياً لنجح وأفلح:
}وَلاَ تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُم مِّن دُونِ اللّهِ مِنْ أَوْلِيَاء ثُمَّ لاَ تُنصَرُونَ{ [هود: 113].
إذا ركنت لإنسان منحرف، رأيته قويا، ورأيت عنده الدنيا، ورأيت أنك إذا أَطعته جاءك خير كثير، إذا ركنت إليه ونسيت الله عز وجل فلن يأتيك الذل إلا من طرفه، لن يأتيك الضيم إلا منه تأديبا لك.
أحيانا يعتز الإنسان بقريب له، له شأنه يُفاجأ بعد حين أن هذا القريب يتخلى عنه، يدخل عليه فيتجاهله، يعرض عليه قضية ليساعده بها فيقول: لا أستطيع، أنا لا أخالف القوانين أبدا، هذا جزاء الذي ركن إليه. "اطلبوا الحوائج بعزة الأنفس فإن الأمور تجري بالمقادير".
}مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَايُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ{ [فاطر: 2].
وبعد فالوقائع والحوادث التي يمكن أن تروى في موضوع العزة والذلة أكثر من أن تحصى، وما من واحد من الناس إلا من خلال معارفه وأقربائه ومحيطه وبيئته يعرف آلاف الحكايات، هذا الشاب الذي استقام على أمر الله رفعه الله في الدنيا قبل الآخرة، فقد أشاح بوجهه عن الحرام فزوجه الله حلالا طيبا:
}وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ{[الرحمن: 46].
قيل: "جنة في الدنيا وجنة في الآخرة، والدنيا قبل الآخرة".
}وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ حِينَ تَقُومُ{
[الطور: 48].
وحسن جدا أن أختم البحث بهذا الأثر أسوقه في هذه العجالة حول اسم: العزيز، "من ابتغى أمراً بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى". فأي شيء أردت أن تناله من خلال معصية يجب أن تعلم علم اليقين أن هذا الشيء ند عنك ونأى، وأي شيء إذا أردت أن تناله عن طريق الطاعة فاعلم علم اليقين أنه اقترب منك ودنا "من ابتغى أمرا بمعصية كان أبعد مما رجا وأقرب مما اتقى"، أي: في التجارة لا تكذب تربح، تربح وتكون عند الله صادقا، وإذا كنت محاميا لا تكذب وسيأتيك دخل وفير وتكون عند الله صادقا، كما تكون عند الناس مخلصا قال صلى الله عليه وسلم:
"البيعان بالخيار ما لم يتفرقا فإن صدق البيعان وبينا بورك لها في بيعهما.
وإن كتما وكذبا فعسى أن يربحا ربحا ويمحق بركة بيعهما" [رواه الشيخان]. فهذا الذي يعصي الله لينال دنيا فانية، جاهل أحمق، لا يعرف الله عز وجل، فأضاع الآخرة الباقية..
لأن الله عز وجل وعده حق (فماذا بعد الحق إلا الضلال) فلتعلم إذا وعد الله به المؤمن أن يحفظه، ومما وعد به المؤمن أن يدافع عنه، ومما وعد به المؤمن أن يرزقه، مما وعد به المؤمن أن يعزه والدليل (ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين ولكن المنافقين لا يعلمون).
انظر لو قال الله: العزة للمؤمنين لكان من الممكن أن يُفهم: ولغير المؤمنين قد تكون عزة أما عندما قال: لله العزة، وجاء الاسم المجرور مقدماً على العزة فأفاد القصر والحصر، العزة وحدها إذاً لله فإذا أردتها فكن مع الله.
كن مع الله تر الله معك واترك الكل وحاذر طمعـك
وإذا أعطاك من يمنعــه ثم من يعطي إذا ما منعــك؟!

من موسوعة محمد راتب النابلسي
__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله

التعديل الأخير تم بواسطة : العز بن عبد السلام بتاريخ 07-02-2010 الساعة 11:41. السبب: تصحيح الكلمات المتلاصقه
رد مع اقتباس
 
  #10  
قديم 07-02-2010, 18:07
الصورة الرمزية اسامة بن زيد
اسامة بن زيد اسامة بن زيد غير متواجد حالياً
الرقابه العامه
 
تاريخ التسجيل: Nov 2009
المشاركات: 1,178
02222255





الجبار

اسم الجبار اسم من أسماء الله الحسنى، وقد ورد في آية: }هُوَ اللَّهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللَّهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ{[الحشر: 23].
تتداخل أحياناً صفات الإنسان مع صفات الخالق فلا بد من التوضيح بأن هناك صفات إذا نسبت للخالق فهي صفات كمال أما إذا نسبت إلى المخلوق فهي صفات نقص، فإذا وصفنا إنساناً بأنه جبار فهذه صفة نقص فيه، لماذا؟ إن وجود الإنسان مستعار، وهو مستمد من الله عز وجل، خلق الإنسان ضعيفاً، خلق الإنسان عجولاً، خلق الإنسان هلوعا، هذا الإنسان الذي يوصف بأنه جبار هل بإمكانه أن يضمن استمرار حياته ثانية واحدة؟ عشرات الأشخاص كل يوم يموتون بسبب وبلا سبب ومع تقدم العلم أصبح يقول الطبيب: سكته دماغية أو سكته قلبية أو هبوط مفاجئ في وظائف الكليتين، أو تشمّع في الكبد، ونحن بين أظهرنا أشخاص كثيرون كانت لهم آمال طويلة جداً كل هذه الآمال تبددت لأن خللاً طفيفاً جداً أصاب أجهزتهم.
شاب كان في الصف الرابع في كلية الطب وكان من أذكى الطلاب ومن أصحهم جسماً ومن ألينهم عوداً يتمتع بصفات في شبابه نادرة ومن أسرة ميسورة، فجأة شعر بوهن في جسمه وبضعف في قواه، وبدا اصفرار في وجهه، الطبيب الأول قال: هناك فقر في الدم، وكذلك أكد الطبيب الثاني، بأن هناك فقرا في الدم، ليس لهذا الفقر أسباب، شاب في ريعان الشباب، من أسرة ميسورة، أي فقر دم هذا؟ ثم اكتشف في النهاية أن في طحاله نشاطاً زائداً.
الطحال مستودع للدم، ومعمل احتياطي لكرات الدم، ومقبرة لكرات الدم الميتة، ففي الثانية الواحدة يموت في جسم الإنسان مليونان ونصف كرية دم، هذه الكريات التي ماتت تذهب إلى الطحال وفي الطحال وبطريقة اقتصادية تُهدَّم هذه الكريات وتعاد إلى أصول تكوينها: حديد وهيموغلوبين، الحديد يرسل ثانية إلى معامل كريات الدم الحمراء في نقي العظام ليعاد تصنيعه والهيموغلوبين يذهب إلى الكبد ليشكل الصفراء، أُخذت خزعة من طحال هذا الشاب وأرسلت إلى بلد غربي متقدم، فكان الجواب أن الطحال يقوم بنشاط زائد يأخذ الكرية الحمراء الميتة ويحللها ويأخذ الكرية الحية ويميتها ويحللها، فأصبح هناك نقص مستمر في كريات الدم الحمراء وانتهى أجله ومات في ريعان الشباب، فإذا قال: أنا! من أنت؟ فالطحال لأنه عمل بنشاط أكبر كان سببا في إنهاء حياة الإنسان.
شخص آخر أصيب بمرض نادر فقر دم لا مُصَّنِع أي: إن معامل كريات الدم الحمراء تكف ذاتياً عن صنع هذه الكريات، وهذا المرض العضال مجهول الأسباب، ويعد سببا في إنهاء حياة الإنسان، وهناك الهبوط المفاجئ في وظائف الكليتين مرض عضال يجعل حياة الإنسان جحيما لا يطاق، وهناك التشمع في الكبد... فالإنسان لا تستمر حياته بلا كبد أكثر من ثلاث ساعات، وهناك نقطة دم تتجمد في بعض شرايين المخ، في مكان ما يصاب الإنسان بالصمم، في مكان آخر يصاب الإنسان بالعمى، في مكان ثالث يصاب الإنسان بفقد الذاكرة، في مكان رابع يصاب الإنسان بالشلل، فهذا الذي يقول: أنا... هو أحمق لمجرد أن يقول: أنا، فإذا وصف الإنسان بأنه جبار هذه صفة ذم في الإنسان لأن وجود الإنسان مفتقر إلى إمداد الله عز وجل، وجود الإنسان تابع لمشيئة الله، قوة الإنسان تابعة لمشيئة الله، محاكمة الإنسان تابعة لمشيئة الله، عقل الإنسان تابع لمشيئة الله، فإذا قلنا: فلان جبار فإننا نصفه بالحمق لأنه يدعي ما ليس له، يدعي حجماً ليس له، يدعي قوة ليست قوته، أما إذا وصفنا خالق الكون الواحد الأحد الفرد الصمد الحي القيوم الذي لا راد لحكمه إذا وصفنا خالق الكون بأنه جبار فهذه صفة مدح وصفة تنزيه من جهة وصفة من صفات الذات لله عز وجل.
ويقاس على ذلك... إذا قلنا: فلان متكبر، فهذه صفة ذم، أما إذا قلنا: الله عز وجل متكبر، فهذه صفة مدح، الإنسان إذا تكبر يتكبّر بغير حق، أما ربنا عز وجل فمتكبر لأنه كبير فعلاً، لأنه عظيم لأنه قوي لأنه خالق لأنه رب لأنه مسير.
أردت من هذه المقدمة أن يتقبل القارئ فكرة أن يتصف إنسان بصفة فنعدها ذماً وأن يوصف خالق الكون بهذه الصفة فنعدها مدحاً.
نحن في حياتنا عندنا شيء من هذا القبيل يوصف الرجل بأنه كريم مدحاً وتوصف المرأة بأنها كريمة ذماً لأن المرأة إذا بذلت من مال زوجها من دون إذنه وأتلفت ماله... هذه صفة ليست صفة مدح في المرأة، إنها صفة ذم، نصف إنساناً أحيانا بالجرأة، وهو في موقع، وقد تكون هذا الجرأة في موقع آخر تهورا وحمقا.
كلمة الجبار لها معانٍ عدة:
المعنى الأول: الجبار هو العالي الذي لا يُنال، نقول: نخلة جبارة لارتفاعها، فلا نستطيع قطف ثمرها، نقول: ناقة جبارة يصعب أن نركبها، والله سبحانه وتعالى يقول في قرآنه الكريم:
}قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْماً جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَن نَّدْخُلَهَاحَتَّىَ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِن يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ{[المائدة: 22].
أي: أقوياء أشداء، لا يرحمون ولا يلينون.
أما إذا قلنا: فلان جبار أي: إنه إنسان لا يتواضع متعاظم متكبر لا ينقاد إلى أحد، ولكن تأكدوا أن هذا الذي يصف نفسه بأنه جبار، أو يتصرف على أنه جبار، أي متعاظم متكبر، لا ينقاد إلى أحد، لا يخضع لأحد، لا يتواضع أبدا، مثل هذا الإنسان، لا بد أن يقصمه الله عز وجل قصماً، لذلك ترون وتسمعون في كل زمان وفي كل مكان عن جبار من جبابرة الأرض قصمه الله عز وجل، وجعله عبرة لمن يعتبر، لأن الكبرياء من صفات الله عز وجل، والعظمة من صفات الله عز وجل، فإذا جاء مخلوق حادث ضعيف، ونازع الله هذه الصفات، قصمه الله عز وجل.
الجبار هو الله عز وجل، لأنه لا تناله الأفكار، ولا تحيط به الأبصار، ولا يصل إلى كنهه عقول العقلاء، كل من بحث في أسماء الله الحسنى إلى يوم القيامة، لا يستطيع أن يحيط بذات الله عز وجل، كل ما كتب لم يكن سوى عملية تبسيط، وعملية تقريب، وعملية توضيح، أما أن تستطيع أن تحيط بالله عز وجل هذا شيء مستحيل، لذلك الجبار هو الله عز وجل الذي لا تناله الأفكار، ولا تحيط به الأبصار ولا يصل إلى كنهه عقول العقلاء.
لذلك من الجهل، والتنطع والتطاول أن تظن أنه بإمكانك أن تفهم كل شيء عن الله، هذه فكرة مغلوطة، فعين العلم به عين الجهل به وعين الجهل به عين العلم به، والعجز عن إدراك الإدراك إدراك، أي: إذا قلت: لا أعلم عن الله إلا في حدود ضيقة جداً فأنت عالم، هذه صفة علم فيك، إذا قلت: لا أعلم فأنت العالم، أما إذا أردت أن تقنع الناس ببساطة أنه بإمكانك أن تعرف كل شيء فهذا دليل عجز، هذا المعنى الأول من معاني اسم الجبار الإله العظيم التي لا تناله الأفكار ولا تحيط به الأبصار ولا يصل إلى كنهه عقول العقلاء وهو من صفات التنزيه.
المعنى الثاني: الجبار، والقول المشهور: ما عبد الله في الأرض بأفضل من جبر الخواطر، جبرت العظم: أصلحته المجبر: هو الذي يجبر العظم، الجبار بهذا المعنى هو: المصلح للأمور، كلما حصلت مشكلة، تهدم شيء، افتقر إنسان، تضعضع إنسان، خالق الكون، رب العالمين، هو الجبار يرأب الصدع، ويلم الشمل ويغني الفقير ويجبر الكسير ويعطي المحروم ويرفع الذليل، لذلك كلما جئت الله عز وجل خاضعاً منكسراً جبر كسرك، ولمَّ شعثك، ورأب صدعك، وقوى ضعفك، وأغنى فقرك، ورفع شأنك، هذا معنى آخر للجبار: المصلح.
المصلح للأمور، تقول: جبرت الكسر إذا أصلحته، جبرت الفقير إذا أنعشته فهو جابر، أما الجبار فهو كثير الجبر نوعاً وكماً، تقول مثلا: جبار، لإنسان أعطى مئة رجل فقير لم تقل له: جابر بل: جبار لأن عطاءه شمل مئة إنسان وأما إذا أعطى إنسانا واحدا عطاء كبيراً فهو أيضا: جبار فالمبالغة مبالغة عدد أو النوع، على كل الجبار هو المصلح إن جبر الفقير أغناه، وإن جبر المريض شفاه، وإن جبر الذليل أعزه، وإن جبر الضعيف قواه، وإن جبر الخائف أمّنه، فالجابر هو المصلح والجبار كثير الإصلاح، كمّاً ونوعاً هذا هو المعنى الثاني.
إذاً قل: يا جبار، يقول التجار: يا جبار! لأن بيع البضاعة عند التاجر جبر، وربنا عز وجل ما ذكر من صفات التجارة إلا صفة واحدة فقال:
}وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَكَسَادَهَا{[التوبة: 24].
ما من منظر يتفتت له قلب التاجر كأن يرى بضاعته مكدسة في المستودع، ولا أحد يسأله عنها، لذلك الله عز وجل عندما ذكر التجارة ذكر الشيء المؤلم عند التاجر، إذا يا جبار! أي: يا رب اجعل هذه البضاعة نافقة، وحبب الناس بها، واجعلهم يقبلون عليها.
"يا جابر كلَ كسير".
فالحزانى في كنف الله، إن الله يحب كل قلب حزين، والحزانى معرضون للرحمة.
أي إذا كان المرء في خصومة، وكان قويا، واستعمل قوته في الظلم، فليس رابحا، وليس منتصرا لأن هناك جبارا أعلى سوف يقصمه، روي في الأثر:
"بئس العبد عبد تخيل واختال، ونسي الكبير المتعال، بئس العبد عبد تجبر واعتدى، ونسي الجبار الأعلى، بئس العبد عبد سها ولها، ونسي المقابر والبلى، بئس العبد عبد عتا وطغى، ونسي المبتدأ والمنتهى".
أما إذا كان هذا المرء هو الجانب الأضعف فالجبار سيرحمه.
الجبار الذي يقصم الظالم، والجبار الذي يرحم المظلوم، فإذا كنت الجانب الأضعف كان الله معك، فالله مع الضعيف، والله هو الجبار، سيجبر كسر الضعيف، وهو الجبار سيقصم الظالم.
زوجان تخاصما أحدهما تجاوز حدوده، هنيئاً لمن كان الأضعف هنيئاً لمن كان مظلوما، لأن الله مع المظلوم في الزواج، وفي الشراكة، وفي أي تعامل.
أب غني... ترك إرثاً كبيرا،ً وترك أولاداً... وأحد أولاده كبير قوي، والآخرون صغار ضعفاء، الكبير استطاع بذكاء، أو بحيلة، أن يأخذ معظم الثروة له، وأن يخص إخوته الصغار بشيء قليل، لا يسمن ولا يغني من جوع، الله جبار، يصلح الأمور ويقصم الجبابرة، فما زال أحد إخوته الصغار يوفقه الله عز وجل، ويمده، وما زال الله عز وجل يضعف الكبير، ويفقره، ويسد الطرق في وجهه إلى أن اضطر الكبير أن يبيع الصغير كل ما أخذه من أبيه غصبا، ثم اضطر الكبير أن يعمل عند الصغير محاسبا ومثل هذه القصص كثيرة جدا وكثير من كل الأسر.
اسم الجبار يقصم الظالم، واسم الجبار يرحم المظلوم، فالله جبار على الظالمين، جبار للمظلومين، جبار على الأقوياء، جبار للضعفاء، جبار على المتكبرين، جبار للمتذللين.
فالجبار المصلح لكل الأمور، المظهر لدين الحق، الميسر لكل عسير، الجابر لكل كسير، وهذه صفة من صفة أفعال الله عز وجل إنها صفة فعل.
المعنى الثالث: الجبار بمعنى أنه جبره على كذا أي: أكرهه على ما أراد بمعنى أجبره، الله عز وجل جبار أي: مشيئته هي النافذة، أنت تريد، وأنا أريد، والله يفعل ما يريد، ورد في الأثر القدسي: "أنت تريد وأنا أريد، فإذا سلمت لي فيما أريد كفيتك ما تريد، وإن لم تسلم لي فيما أريد أتعبتك فيما تريد ثم لا يكون إلا ما أريد".
فرعون قال: }أنا ربكم الأعلى{[النازعات: 24]،}ما علمت لكم من إله غيري{[القصص: 38]،رأى في المنام أن طفلاً من بني إسرائيل سوف يقضي على ملكه، فبدل أن يتوب إلى الله عز وجل وأن يعود عن غيه، وعن ظلمه، وعن كبره، وعن ادعائه، خطر في باله أن يقتل كل أبناء بني إسرائيل، وهكذا فعل، لا تستطيع قابلة في عصره أن تخفي عن رجاله مولودا ذكرا ولد لبني إسرائيل، فإذا أخفت ذلك قتلت هي مكانه... يذبح أبناءهم.
أما هذا الذي سيقضي على ملكه، فقد رباه في قصره، الجبار الله عز وجل قهره، وهو يغرق قال:
}وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُوَجُنُودُهُ بَغْياً وَعَدْواً حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُأَنَّهُ لا إِلِـهَ إِلاَّ الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَامِنَ الْمُسْلِمِينَ{[يونس: 90-91]
إخوة يوسف أرادوا به كيدا، فجعلوه في غيابات الجب، أي: أرادوا أن يقتلوه، ما الذي حصل؟ دخلوا عليه وهو عزيز مصر قال: }أَنَا يُوسُفُ وَهَـذَا أَخِي قَدْمَنَّ اللّهُ عَلَيْنَا إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللّهَ لاَيُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ{[يوسف: 90] ويقول الله عز وجل موضحا مغزى هذه القصة: }والله غالب على أمره ولكن أكثر الناس لا يعلمون{[يوسف: 21]، هذه قصة ثانية.
إذا الله جبار فقد أحبط مسعى إخوته الذين أرادوا أن يجعلوه في غيابة الجب، وأرادوا أن يقتلوه، ثم صار عزيز مصر، إذاً الله جبار.
قوم إبراهيم أرادوا أن يحرقوه، وأن ينتهوا منه، والأمر بيدهم وهم أقوياء وجاؤوا بالنار، وأضرموها وألقوا إبراهيم عليه السلام فيها، وكان من الممكن أن يتفلت من أيديهم، كان من الممكن أن لا يعثروا عليه، كان من الممكن أن تأتي أمطار غزيرة فتطفئ نارهم، كان من الممكن ألا يعرفوا من كسر هذه الأصنام لكن أراد الله عز وجل أن يعرفوا أنه كسرها، وهو فتى وأن يعترف بفعلته، وأوقدوا النيران، واشتعلت النيران، وألقوه في النار، الله جبار... قال تعالى:
}قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَاماً عَلَى إِبْرَاهِيمَ، وَأَرَادُوا بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ الْأَخْسَرِينَ{ [الأنبياء: 69-70].
النبي عليه الصلاة والسلام ائتمروا على قتله، قاطعوه، نكلوا بأصحابه ثم دخل عليهم فاتحاً، وهم رهن إشارة منه، لو أعطى إشارة لقتلوا جميعاً قال: "ما تظنون أني فاعل بكم"؟ فقالوا: خيرا، أخ كريم وابن أخ كريم فقال: "لا تثريب عليكم اليوم يغفر الله لكم"الله جبار.
في غزوة الخندق ضاق الأمر على النبي وأصحابه إلى أن ظن بعض أصحاب النبي أن الأمر قد انتهى، وتكلم قوم بكلام قبيح فقال معتب بن قشير: يعدنا محمد كنوز قيصر وكسرى، وأحدنا لا يأمن أن يذهب إلى حاجته!! ما الذي حصل؟ هبت الرياح العاصفة فقلبت قدورهم، واقتلعت خيامهم، وأطفئت نيرانهم، قال تعالى:
}وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْراًوَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيّاً عَزِيزاً{ [الأحزاب: 25].
إذا المعنى الأول من معاني الجبار: الشيء العالي الذي لا يدرك فهو من أسماء التنزيه، أي: من المستحيل بأن تحيط بالله عز وجل حتى الأنبياء لم يعرفوا الله المعرفة المطلقة، عرفوا جانباً من كمال الله عز وجل، عرفوا طرفا من أسمائه، فلا يعرف الله إلا الله.
المعنى الثاني للجبار: المصلح الضعيف يجبره الكسير يجبره المظلوم يجبره الفقير يجبره.
أما المعنى الثالث: فهو الذي يجبر جميع الخلق على مشيئته، وعلى إرادته.
والله لقد سمعت قصة مؤثرة رجل معروف بالغنى الفاحش يعمل في تجارة ناجحة جدا، ورائجة جدا، ويحصل منها على أرباح طائلة خطب ابنته شاب مهندس، أخلاقي، دخله دخل مهندس، رفضه لفقره، لكن رفضه كان باستعلاء، وبكبر، وبغطرسة، هذه التجارة الرائجة، أساسها قانون، هذا القانون، أوقف العمل به، فجأة توقفت تجارته، فجأة أصبح تحت طائلة المطاليب هذا العم الغني تراجعت تجارته شيئاً فشيئاً إلى أن أصبح بحاجة إلى مصروف يومه،ثم توسط لدى بعضهم أن يقنع الشاب المهندس أن يطلب ابنته مرة ثانية وتزوجها هذا المهندس، وقد وفقه الله عز وجل في عمله، ثم عمل العم عند صهره المهندس موظفا، الله جبار.
امرأة قالت لضرتها التي لا تنجب، في بطني ولد وعلى يدي ولد، وها هو ذا ولد أمامي، ثلاثة أولاد، ولد يتحرك أمامها وولد ترضعه، وولد في بطنها، من يصدق أن هؤلاء الأولاد الثلاثة ماتوا تباعا، وأن التي لا تنجب رزقها الله خمسة أطفال ذكور؟!
الله الجبار، مع الضعيف المظلوم المقهور، ومع الكسير الحزين المستضعَف الله عز وجل معه دائماً يؤيده، وينصره ويوفقه أقول أنا أعرف من هو المظلوم، ومن هو الظالم من مستقبل الشريكين، فالذي وفقه الله عز وجل هو المظلوم والذي قصمه الله هو الظالم في الأعم الأغلب.
الزوجان طلقت امرأة من زوجها هو يدعي أنها زوجة سيئة وهي تدعي أنه زوج سيئ، في المستقبل إذا وفقت بزوج صالح أكرمها وورط الزوج بزوجة سيئة أزعجته معنى ذلك أنه كان ظالماً لها.
ويروى أن رجلاً كان جالسا مع زوجته يأكلان الدجاج طرق الباب طارق، قامت الزوجة لتفتح الباب فكان بالباب رجل سائل، ورغبت الزوجة أن تعطيه شيئاً من الطعام، فنهرها زوجها وقال: اطرديه، دارت الأيام وطلقت هذه من زوجها وخطبها إنسان ميسور الحال وهما جالسان يأكلان هذا الطعام نفسه، ولحكمة بالغة طرق الباب فانطلقت لتفتح الباب فاضطربت قال زوجها: من الطارق؟ قالت: سائل قال: لماذا اضطربت قالت: أتدري من السائل؟ إنه زوجي الأول قال: أتدرين من أنا؟ أنا السائل الأول، الله هو الجبار.
وفي كل زمان وفي كل مكان وفي كل عصر وفي كل مصر تجري مثل هذه القصص. غني يفتقر فقير يغتني ضعيف يقوى قوي يضعف، كم من إنسان كان في قبضة إنسان، يذيقه ألوان الإهانة والعذاب، فجأة وقع هذا القوي في قبضة المستضعف، فالإنسان المؤمن لو أن الدنيا أقبلت عليه، عليه أن لا يتكبر، ألا يتجبر، ألا يتعجرف.
والحقيقة، كما أن الله عز وجل يعطي المال بحجم كبير، فيدهش، ويأخذه دفعة واحدة، فيدهش.
كان هناك طبيب نسائي جبار، لا يوجد في دمشق غيره، قصة وقعت منذ سبعين عاماً تقريباً، لا يخرج من العيادة إلا بـليرة ذهب وعربة لتنقله لعدم وجود السيارات في زمنه، لا بد من دفع الليرة الذهبية ولو كانت المريضة فقيرة، ذكر لي بعضهم أن بعض الناس يضطرون لبيع الفراش من تحت المريضة ليعطوه الليرة، ولادة عسرة، وطبيب وحيد في البلد، ولا يخرج من بيته إلا بـليرة ذهب وعربة.
بنى بناء في أرقى أحياء دمشق، والبناء موجود الآن وهو من أندر الأبنية، بعد ما بناه أصيب بالفالج تحملته زوجته زمنا يسيرا ثم أمرت زوجته أن يوضع في قبو البناء، فوضعوه في القبو، وكانت تبعث له الطعام مع الخادمة فيسألها عن زوجته فتقول له: قلت لها ولم أدري لم لا تحضر، وقد طلبها أول مرة، والثانية والثالثة، وحينما تطل عليه زوجته بعد طلبه الملح تسمعه أقسى الكلمات، وتغيب عنه، بقي مشلولا ثماني سنوات، ويقدم له الطعام عن طريق الخادمة، وبسبب من الرائحة الكريهة التي تفوح من القبو أمرت زوجته أن ينقل إلى بيت بعيد ليبقى هذا البناء أنيقاً، وبعيداً عن رائحته الكريهة وعن صراخه، وهو الذي بنى هذا البناء وزينه وزخرفه.
الله جبار، لم يكن هذا الطبيب يرحم المرأة الفقيرة، فيباع الفراش من تحتها، ليأخذ الليرة الذهبية.
وكل إنسان يتجبر، ويتحكم بالناس بعلمه حيث يقول: لا يوجد غيري في هذا الاختصاص، أو بماله، أو بقوته، فليعلم أن الله جبار.
والله جبار مع الضعيف ضد القوي مع المظلوم ضد الظالم ومع الفقير ضد الغني الظالم، وليس كل غني بظالم.
فالله عز وجل جبار، هذا هو المعنى الثالث جبره على كذا أي: أكرهه على ما أراد. الجبار: هو الله عز وجل الذي أجبر الخلق على ما أراد وحملهم عليه، أرادوا أم لم يريدوا أحبوا أم لم يحبوا أي: لا يجري في ملكه إلا ما يريد ولا يحصل في كونه إلا ما يشاء ينفَّذ مشيئته على سبيل الإجبار ولا تنفذ فيه مشيئة أحد، سبحان من تنزه عن الفحشاء وسبحان من لا يجري في ملكه إلا ما يشاء.
فبعد توضيح المعنى الدقيق للجبار هل للإنسان علاقة مع غير الله عز وجل، هل يوجد جهة غير الله عز وجل أهل لأن تسأل وأن تخاف.
قال أحد العارفين: "يا رب عجبت لمن يعرفك كيف يرجو أحداً غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يستعين على أمر بأحد غيرك، وعجبت لمن يعرفك كيف يلتفت لأحد غيرك".
بعضهم قال: "الجبار من لا يرقى إليه وهم ولا يشرف عليه فهم ولا يلحقه إدراك، ينفذ أمره في كل شيء ولا ينفذ فيه أمر شيء، من أصلح الأشياء بلا اعوجاج وأمر بالطاعة بلا احتياج".
هذا من تعاريف اسم الجبار.
وإذا كان الإنسان جباراً بالمعنى المذموم لا بد من أن يقصمه الله عز وجل، لكن يمكن للإنسان أن يكون جبارا من زاوية واحدة، فمن لم يكن أسيراً لحب المال، والجاه، لأن كل إنسان يحب المال يصبح حب المال نقطة ضعف فيه، أصبح ضعيفاً، مفتاحه المال، يقولون: فلان مفتاحه المال، فلان تعظّمه، فيلين معك، هذا يحب الجاه، فكل إنسان أسير للمال أو الجاه هذا إنسان ضعيف، فإذا تنزه الإنسان عن حب المال، وحب الجاه أصبح جباراً بالمعنى الذي يليق بالإنسان، لم يبق إنساناً ضعيفا تستطيع أن تملك مفتاحه.
فالمؤمن مفتاحه الحق لا يوصل إليه لا بالمال ولا بالمديح، لا تصل إليه إلا بالحق، فإذا كان هناك مؤمن أحب أن يتخلق باسم الجبار لا بمعنى المتكبر، ولا بمعنى القهار، ولا بمعنى الذي ينفذ مشيئته، بل بمعنى أنه ليس محتاجا إلى مديح ولا إلى ثناء ولا إلى مال.
ففي كل شخص مهما كان قوياً، نقطتا ضعف، المال والنساء، ولا يوجد إنسان يتآمر على إنسان إلا بهاتين النقطتين، إما بامرأة تغريه فيسقط، وإما بمال يأخذه حراما فيسقط، فإذا كان الإنسان محصناً من المال والنساء، لا يستطيع أعداؤه النيل منه.
فالجبار من الناس الذي يجبر الخلق بهيئته وصورته وأمانته وصدقه وعفته واستقامته على أن يقتدوا به، يفيد ولا يستفيد، ويؤثر ولا يتأثر، هذا هو النبي عليه الصلاة والسلام، بلغ من الكمال درجة أنه يعطي ولا يأخذ، ينفع الخلق كلهم ولا ينتفع منهم، يؤثر فيهم ولا يتأثر، روى مسلم في صحيحه عن أنس رضي الله عنه أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم غنما بين جبلين، فأعطاه إياه، فأتى قومه، فقال: أي قوم! أسلموا، فوالله! إن محمدا ليعطي عطاء ما يخاف الفقر.
إذاً الجبار إذا أمكن لإنسان أن يكون كريما فعليه أن يتنزه عن حب المال، وعن حب المديح والجاه.
من موسوعة النابلسي
__________________


توقيعى !

أشهد ان لا اله الا الله

التعديل الأخير تم بواسطة : اسامة بن زيد بتاريخ 08-02-2010 الساعة 07:00.
رد مع اقتباس
 
رد


الذين يشاهدون محتوى الموضوع الآن : 1 ( الأعضاء 0 والزوار 1)
 
أدوات الموضوع
طرق مشاهدة الموضوع

تعليمات المشاركة
لا تستطيع كتابة مواضيع
لا تستطيع كتابة ردود
لا تستطيع إرفاق ملفات
لا تستطيع تعديل مشاركاتك

كود [IMG] متاحة
كود HTML معطلة
الانتقال السريع إلى

 
 


بحث عن:  

[ sitemap.php ] [ sitemap.html ] [ sitemap.xml ] [ sitemap.txt ]

جميع الأوقات بتوقيت GMT +4. الساعة الآن 20:14.
Powered by vBulletin
Copyright ©2006 - 2014, Jelsoft Enterprises Ltd.
الاتصال بنا - الصراط - الأرشيف - الأعلى