من فيض رمضان

ها قد هلت بشائر رمضان وتفتّحت أبواب الجنان فلن يغلق منها باب، وتغلّق أبواب النيران ولن يفتح منها باب طوال شهر المغفرة والعتق من النار، و ينادي المنادي كل يوم يا باغي الخير أقبل لتجد الثواب على ما قدمت من خير، ويا باغي الشر أقصر فكفاك تقصيرًا وذنوباً، وعد إلى الله، فإنك لا تعلم هل ستعيش إلى رمضان القادم أم لا، واستفد من هذا الشهر بتعود الصبر فهو أهم درس تخرج منه في ذلك الشهر وقد تعودت الصبر عن مشتهيات النفس، وترويض للنفس لترك الملذات المباحة في نهار رمضان كالطعام والشراب والجماع، ومع أن هذه الأمور مباحة في غير نهار رمضان؛ إلا أن الصائم يستطيع أن يمتنع عنها، وهذه هي الحكمة من الصيام وهي حصول التقوى كما قال ربُّنا – تبارك وتعالي -: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون) وحصول التقوى يكون باستشعار مراقبة الله – تعالى – في السر والعلن الله (يعلم خائنة الأعين وما تخفي الصدور)، ويكون بتعويد النفس على الصيام والقيام، والإكثار من النوافل والزهد في الحلال المباح، مما يدفع المسلم إلى كره الحرام وتتعود نفسه عدم التفكير القرب منه، ولا أن يمر بخاطره.

ومن أهم الدروس التي نخرج بها من هذا الشهر المبارك هو “الصبر” ومع تقسيم الكثير من السلف لدرجات الصبر إلا أنني وجدت أن الصبر على طاعة الله هو أشد درجات الصبر، لذلك كان الأمر في الطاعات بصيغة الافتعال في سورة طه (وأمر أهلك بالصلاة واصطبر عليها)، وقال – جل وعلا – في سورة مريم: (رب السماوات والأرض وما بينهما فاعبده واصطبر لعبادته)؛ لأن من العبادة ما يكره بسبب الكسل مثل الصلاة ومنها ما يكره بسبب البخل كالزكاة والصدقة ومنها ما يكره بسبب الكسل والبخل معا كالحج، ومنها ما يكره بسبب الجبن والخوف كالجهاد. وطاعة الله تحتاج من المسلم إلى مجاهدة نفسه، وترويضها على الطاعة، والالتزام بأوامر الله.

كما نتعود في رمضان أيضا الصبر عن مشتهيات النفس، فالنفس بطبعها ميالة إلى الشهوات (إن النفس لأمارة بالسوء إلا ما رحم ربي)، فالنفس تميل إلى شهوة البطن وشهوة الفرج وشهوة اللسان، وشهوة النظر، و…، وفي رمضان يتعود المسلم تهذيب هذه الشهوات وضبطها وكبح جماح نفسه، فيخرج المسلم من رمضان وقد ساق نفسه بنفسه وانقادت طوعًا أو كرها لصاحبها، ومن لم يستفد من رمضان خرج وقد ساقته نفسه إلى المهالك وقادته وسيطرت عليه فأصبح لا يرى إلا صورة شهوته، ولا يسمع إلا لصوتها، ولا يستجيب إلا لندائها، وهي تبدأ بالحلال ثم تنتهي به إلى الحرام – أعاذنا الله وإياكم – .

وإذا نظرنا إلى ثواب الصبر في القرآن الكريم وجدنا أن الصبر هو سبب استحقاق التحية من الملائكة في الجنة، كما في سورة الرعد (والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار)، وهو سبب الفوز بالغرفة (الجنة) فقد قال الله في شأن عباد الرحمن في آخر سورة الفرقان (أولئك يجزون الغرفة بما صبروا ويلقون فيها تحية وسلاما) بما صبروا على طاعتهم وانقيادهم لأوامر الله سبحانه، وقال الله في شأن عباده الأبرار الذين يوفون بالنذر ويطعمون الطعام ويخافون شر يوم القيامة (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولاقّاهم نضرة وسرورا* وجزاهم بما صبروا جنة وحريرا). فالصبر ثوابه الجنة، وخاصة إن كان صبرًا عن مشتهيات النفس وإكراها لها على طاعة الله.

لقد ضرب الأنبياء والصالحون أمثلة رائعة في الصبر على طاعة الله وتنفيذ أوامره حتى لو كانت النفس تكرهها، وما كان ذلك إلا اختبارًا وابتلاء من الله – سبحانه – لعباده المخلصين، ففي صبر إبراهيم – عليه السلام – أروع المثل على طاعة الله، وقد نجح – عليه الصلاة والسلام – في الاختبار كله واجتازه بتفوق، وقد صور الله ذلك في سورة البقرة (وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُّه بكلمات فأتمهن)، صبر على دعوة قومه وإلقائهم له في النار، صبر لأبعد ما يكون على دعوة أبيه إلى التوحيد – وإنا لنلمس رقته مع أبيه في سورة مريم وقوله يا أبت.. يا أبت.. – ، وما أجمل صبره حين تبرأ من أقرب الناس إليه كما قص القرآن ذلك في سورة الممتحنة: (قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَءاؤا مِنكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاء أَبَداً حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ وَحْدَهُ).

أمره الله أن يترك زوجه وولده الرضيع في وادٍ غير ذي زرع؛ فنجح في الاختبار، أمره الله برفع قواعد البيت فكان يؤدي العبادة بطيب نفس قلب راض وحب ودعاء بأن يتقبل الله منه ومن ولده إسماعيل، وأمره بأن يذبح ولده فلذة كبده فنجح الأب والابن في الاختبار، ولم يتردد الابن في الرد وكان جوابه”يا أبت افعل ما تؤمر ستجدني إن شاء الله من الصابرين”.

وفي حياة أولي العزم من الرسل وحياة نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – خاصة وحياة الصحابة والتابعين الكثير من الأمثلة لأناس نجحوا في اختبار الله لهم، وصبروا على طاعة الله.

إن الصبر على الضراء فعل جميل وعبادة أجرها عظيم، ولكن الأجمل منه هو الصبر في السراء، ولذلك قال بعض الصحابة لما فتحت عليهم الدنيا: “ابتلينا بفتنة الضراء فصبرنا وابتلينا بفتنة السراء فلم نصبر”. ولهذا كان الابتلاء بالخير والشر (ونبلُوكم بالشر والخير فتنة). وقد بوب كثير من العلماء في كتبهم بابًا في ذم الدنيا وأوردوا فيه من الآيات والأحاديث الكثيرة التي تحذر من الدنيا والركون إلى ملذاتها وشهواتها.

وكان الرسول – صلى الله عليه وسلم – حريصا على أمته فحذرهم من الدنيا وكان يخاف على أمته أن تبسط عليهم الدنيا فقال: “..فوالله ما الفقر أخشى عليكم ولكن أخشى أن تبسط عليكم الدنيا كما بسطت على من كان قبلكم، فتنافسوها كما تنافسوها وتهلككم كما أهلكتهم”[أخرجه الإمام أحمد]؛ بل لعنها لعنًا صريحًا في قوله – صلى الله عليه وسلم -: “ألا إن الدنيا ملعونة ملعون ما فيها إلا ذكر الله وما والاه وعالما أو متعلما”[أخرجه الترمذي]، وكان لسان حال نبينا – صلى الله عليه وسلم – “مالي وللدنيا ما أنا والدنيا إلا كراكب ظل تحت شجرة ثم راح وتركها”[أخرجه الإمام أحمد]، وقد عرضت عليه الدنيا بكل مفاتيحها فأبى أن يقبلها، إذ كيف يقبل شيئًا ذمه الله – تعالى – وحذر منه. كما في قوله – تعالى – في سورة آل عمران: (زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ النِّسَاء وَالْبَنِينَ وَالْقَنَاطِيرِ الْمُقَنطَرَةِ مِنَ الذَّهَبِ وَالْفِضَّةِ وَالْخَيْلِ الْمُسَوَّمَةِ وَالأَنْعَامِ وَالْحَرْثِ ذَلِكَ مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاللّهُ عِندَهُ حُسْنُ الْمَآبِ {14} قُلْ أَؤُنَبِّئُكُم بِخَيْرٍ مِّن ذَلِكُمْ لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِندَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَأَزْوَاجٌ مُّطَهَّرَةٌ وَرِضْوَانٌ مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ {15}‏ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا إِنَّنَا آمَنَّا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَقِنَا عَذَابَ النَّارِ {16} الصَّابِرِينَ وَالصَّادِقِينَ وَالْقَانِتِينَ وَالْمُنفِقِينَ وَالْمُسْتَغْفِرِينَ بِالأَسْحَارِ{17}). ولهذا كانت أول صفة لهؤلاء الذين استحقوا الجنات التي تجري من تحتها الأنهار والأزواج المطهرة والرضوان من الله؛ كانت صفة الصبر؛ والصبر هنا هو الصبر عن هذه الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة وكل متاع الحياة الدنيا الزائل. وحين نتحدث عن الصبر عن مشتهيات النفس نتذكر يوسف – عليه السلام – وصبره عن مراودة امرأة العزيز. فقد كان هذا الصبر أكمل وأقوى من صبره على إلقاء أخوته له في الجُب، فلم يكن أمامه في الجب إلا الصبر، لأن الجزع لن يفيد في شيء وهو صبر اضطراري إن صبر صاحبه واحتسب فله الأجر والثواب وإن جزع ولم يصبر ظل في مصيبته وكان عليه الوزر لأنه لم يرض بقضاء الله، أما موقف يوسف – عليه السلام – مع امرأة العزيز فقد كان مخيرًا فيه، وقد أتيحت أمامه كل السبل؛ فالمرأة جميلة وهي الداعية إلى نفسها، وغلقت الأبواب، وقد غاب صاحب البيت، وقد كان شابًا عزبا ليس لديه ما يعوضه، مملوكًا وغريبًا، ومع ذلك هددته إن لم يفعل بالسجن أو يكون من الصاغرين (ولئن لم يفعل ما آمره ليسجنن وليكونا من الصاغرين)، وقد جاء الرد يُعلِّم الأمة كيف يكون الصبر عن اتباع شهوات النفس (قال رب السجن أحب إلى مما يدعونني إليه وإلا تصرف عني كيدهن أصب إليهن وأكن من الجاهلين) ولما يصدق العبد ربه ويخلص في دعائه؛ يكن الفرج وسرعة الإجابة (فاستجاب له ربه فصرف عنه كيدهن إنه هو السميع البصير).

إذا كان المسلم يخرج من شهر رمضان وقد تعود الصبر لمدة شهر كامل على طاعة الله والصبر عن مشتهيات نفسه، فالأولى بمن نذر نفسه ووقته للدعوة إلى الله أن يكون هذا الشهر زاده في الدعوة، فهو شهر (يشحن) الداعية فيه قلبه ونفسه بشحنة إيمانية تدفعه إلى الجد والمصابرة والعمل بقية العام.

وإذا كان أهل الباطل والشرك يتواصون بينهم على باطلهم والصبر عليه (وانطلق الملأ منهم أن امشوا واصبروا على آلهتكم إن هذا لشيء يراد).

فالأولى بأهل الحق والتوحيد أن يصبروا على الحق الذي هم عليه، وأن يتواصوا به، فأهل الباطل يجتمعون على باطلهم ويعقدون الندوات والمؤتمرات ويخرجون بتوصيات لمساندة هذا الباطل بالمال والجهد، ومنهم من لا ينام الليل وهو يدعو إلى باطله يفكر كيف ينشره بكل السبل، ولا يألو جهدًا في ذلك؛ فالأولى بأهل التوحيد وأهل الحق أن يغالبوهم وأن يصبروا على الحق الذي هم عليه، وأن يتواصوا بينهم عليه كما بين ذلك القرآن الكريم (والعصر إن الإنسان لفي خسر إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر).

يجب ألا نضيع الفرص والمنح التي يهبنا الله إياها، وخاصة في شهر رمضان، فهي زادنا لمغالبة أنفسنا ومغالبة أهل الباطل والشرك، وقد جاء الأمر القرآني للمؤمنين صريحًا لا يقبل في تهاونًا الأخذ به، بل العمل الصالح والصبر عليه والمصابرة والمرابطة والتزام الصراط المستقيم، فكل منا على ثغر (يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا ورابطوا واتقوا الله لعلكم تفلحون).

فأروا الله من أنفسكم خيرًا.

أميرة جمال الطويل

Leave a Reply

*

Salat_Alfajer

للتسجيل التواصل مع الاخ حسام وتد 050-8957263